روى البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة ﵂، قالت: «هاجر إلى الحبشة رجال من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرًا (٣) فقال له النبي - ﷺ -: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على النبي - ﷺ - ولصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر، قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - ﷺ - مقبلًا متقنعًا (٤) في ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فدًا له أبي وأمي، والله إن جاء
_________________
(١) سورة التوبة: ٤٠.
(٢) منهاج جـ٤/٢٧٢. قال ابن القيم ﵀: وكان شيخنا قدس الله روحه يقول: الضمير عائد على النبي - ﷺ - وإلى صاحبه تبعًا له فهذا الذي أنزلت عليه السكينة وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبه (بدائع ٤/١١٢) .
(٣) وفي لفظ: «استأذن أبو بكر » .
(٤) متقنعًا: متغشيًا بثوب أو نحوه.
[ ٣٤ ]
به في هذه الساعة إلا لأمر، فجاء النبي فاستأذن فأذن له فدخل، فقال حين دخل لأبي بكر: أخرج من عندك. قال: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال: نعم. قال: فإني قد أذن لي في الخروج. قال: فالصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: نعم. قال فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال النبي - ﷺ - بالثمن» الحديث (١) .
قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول الله - ﷺ - الخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة، فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته (٢) . وفي رواية للبخاري: «فركبا فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور فتواريا فيه» الحديث (٣) . وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: اشترى أبو بكر ﵁ من عازب رحلًا (٤) بثلاثة عشر درهمًا. فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمل إلي رحلي. فقال عازب: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله - ﷺ - حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم. قال: ارتحلنا من مكة فأحيينا -أو سرينا- ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانًا ينام فيه النبي - ﷺ - في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك (٥)، وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال لرجل من
_________________
(١) أخرجه البخاري ك ٧٧ ب ١٦ وك ٦٤ ب٢٨.
(٢) البداية والنهاية جـ٣/ ١٧٧.
(٣) البخاري ك٧٧ ب١٦.
(٤) الرحل: سرج البعير وهو الكور. وقدر يراد به القتب والحداجة.
(٥) أي أفتش لئلا يكون عدو.
[ ٣٥ ]
قريش سماه فعرفته، فقلت له: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن. قال ومعي إداوة أرتوي فيها لرسول الله - ﷺ - يشرب منها ويتوضأ (١) . قال: فأتيت النبي - ﷺ - وكرهت أن أوقظه من نومه، فوافيته قد استيقظ، فصببت على اللبن الماء حتى برد أسفله، فقلت يا رسول الله: اشرب من هذا اللبن. قال: فشرب حتى رضيت. ثم قال: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى. فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، قال: ونحن في جلد من الأرض، فقلت يا رسول الله: أتينا. فقال: لا تحزن إن الله معنا، فدعا عليه رسول الله - ﷺ - فارتطمت فرسه إلى بطنها. فقال: إني قد علمت أنكما دعوتما علي، فادعوا الله لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا الله فنجا، فرجع لا يلقى أحدًا إلا قال: قد كفيتم من هنا، فلا يلقى أحدًا إلا رده. قال: ووفا لنا. إلى أن قال: قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدجلي وهو ابن أخي سراقة قال: جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله - ﷺ - وأبي بكر دية كل منهما لمن قتله أول أسره (٢) .
ففي الليلة التي خرج فيها عرفوا في صبيحتها أنه خرج وانتشر ذلك وأرسلوا إلى أهل الطرق يبذلون الدية فيه وفي أبي بكر. وكون المشركين بذلوا الدية لمن يأتي بأبي بكر دليل على أنهم يعلمون موالاته لرسول الله - ﷺ - وأنه كان عدوهم (٣) .
_________________
(١) الإداوة: إناء صغير من جلد.
(٢) صحيح مسلم ك٥٣ ح٧٥. صحيح البخاري ك ٦١ ب٢٥، ك٦٢ ب٢، ك٦٣ ب٤٥. قلت: وقصة الهجرة مبسوطة في كتب التفسير والحديث والسير، والقصد من سياقها هنا أنها من فضائل أبي بكر الخاصة.
(٣) منهاج جـ٤/ ٢٥٧-٢٥٩.
[ ٣٦ ]