وفي الجملة كل ما في القرآن من خطاب (المؤمنين) و(المتقين) و(المحسنين) ومدحهم فهو أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة، فعلم أنه أفضل الأمة، كما استفاض عن النبي - ﷺ - من غير وجه أنه قال: «خير القرون القرن الذي جئت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢) .
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣) .
الأشهر عند أهل التفسير أن الذي جاء بالصدق محمد، والذي صدق به أبو بكر، وقال بهذا طائفة، وذكره الطبري بإسناده إلى
_________________
(١) منهاج جـ ٢٩٧، ٢٧٦، ٢٦١، ٢٤٦، ١٤٠، ١٣٨، ٢٠٢، ١٣٧، ١٠٢، ٦٣، جـ٣/ ١٦١، ١٦٢، ١٦٥، ٢٤٦، جـ٢/١٨٢، وانظر مجموع الفتاوى جـ٤/ ٤٢١-٤٢٦. جـ١/ ٢٢٤.
(٢) وفي البخاري ك ٦٢ ب ١ جـ٤ ص١٨٩ «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» الحديث. وصحيح مسلم ص١٩٦٣، ٤١٦٤، ١٩٤٢.
(٣) سورة الزمر: ٣٣
[ ٧٠ ]
علي (١) . وفي هذا حكاية ذكرها بعضهم عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر غلام أبي بكر الخلال: أن سائلًا سأله عن هذه الآية، فقال له أو بعض الحاضرين: نزلت في أبي بكر، فقال السائل: بل في علي، فقال أبو بكر بن جعفر: اقرأ ما بعدها ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ إلى قوله ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ الآية (٢)، فبهت السائل (٣) . ولفظ الآية مطلق لا يختص بأبي بكر ولا بعلي، بل كل من دخل في عمومها دخل في حكمها، ولا ريب أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا أحق هذه الأمة بالدخول فيها؛ لكنها لا تختص بهم؛ فما فيها من مدح فهو يشتمل على الصحابة فإنهم جاءوا بالصدق وصدقوا به، وهم من أعظم أهل الأرض دخولًا في ذلك.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤) وأبو بكر ﵁ قد ثبت أنه صديق بالأدلة الكثيرة فيجب أن تتناوله الآية قطعًا، وأن نكون معه؛ بل تناولها له أولى من تناولها لغيره من الصحابة، وهذه الآية نزلت في كعب بن مالك لما تخلف عن غزوة تبوك وصدق النبي - ﷺ - في أنه لم يكن له عذر، وتاب الله عليه ببركة الصدق (٥) .
_________________
(١) قال: حدثني أحمد بن منصور، قال: حدثنا أحمد بن مصعد المروزي، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم بن خالد، عن عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، عن علي رضي الله في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قال محمد - ﷺ - ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أبو بكر ﵁. اهـ (من تفسير ابن جرير ﵀) .
(٢) سورة الزمر: ٣٣- ٣٥.
(٣) قلت: لأن السائل يرى أن عليًا نشأ في الإسلام لم يدرك الجاهلية.
(٤) سورة التوبة: ١١٩.
(٥) منهاج جـ١/٢١٤، جـ٤/ ٢٧٦، ٥١-٥٣، ٧٢.
[ ٧١ ]