في صحيح البخاري، عن أنس ﵁، أنه سمع خطبة عمر الأخيرة (٢) حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي رسول الله - ﷺ -، فتشهد أبو بكر صامت لا يتكلم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله - ﷺ - حتى يدبرنا -يريد بذلك أن يكون آخرهم- فإن يكن محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، به هدى الله محمدًا - ﷺ - وإن أبا بكر صاحب رسول الله - ﷺ - ثاني اثنين، وإنه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوا قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر.
قال الزهري، عن أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: «اصعد المنبر فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه الناس عامة» (٣) .
_________________
(١) منهاج جـ٣/١١٩، ١٢٠، ١٨٦، ١١٣. جـ٤/٢١٦، ٢١٧، جـ١/٣٦.
(٢) وكان قد خطب بعد وفاة النبي - ﷺ - فأنكر وفاته.
(٣) البخاري ك ٩٣ ب٥١ وفي صحيح البخاري عن عائشة في هذه القصة قالت: ما كان من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها، لقد خوف عمر الناس وأن فيهم لنفاقًا فردهم الله بذلك، ثم لقد بصر أبو بكر الناس الهدى وعرفهم الحق الذي عليهم.
[ ١١٥ ]
وقد روي عنه أنه قال: أقيلوني (١) (٢) .
وتخلف سعد بن عبادة
والأنصار تكلم بعضهم بكلام أنكره عليهم أفاضلهم، كأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، وغيرهما ممن هو أفضل من سعد نفسًا وبيتًا.
فإنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو عبد الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير» (٣) فالدور الثلاثة المفضلة لم يعرف عنهم من نازع في الإمامة. وإنما نازع سعد بن عبادة، والحباب بن المنذر، وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء وبايعوا الصديق، إلا سعد بن عبادة لأنهم عينوه للإمارة فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر، فلم يؤذه أبو بكر بكلمة، فضلًا عن فعل.
وما ذكره الشهرستاني من أن الأنصار اتفقوا على تقديم سعد بن عبادة هو باطل باتفاق أهل المعرفة بالنقل، والأحاديث الثابتة بخلاف ذلك (٤) .
_________________
(١) انظر «الرياض النضر في مناقب العشر»
(٢) منهاج جـ٣/١٢٠ وقد تقدم ذكر خطبة أبي بكر بعد البيعة. وعن ربيعة أحد الصحابة قال: قلت لأبي بكر: ما حملك أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟ قال: لم أجد من ذلك بدًا، خشيت على أمة محمد الفرقة. وفي رواية: تخوفت أن تكون فتنة تكون بعدها ردة. (مختصر السيرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص١٣٨) وانظر تأريخ الخلفاء للسيوطي ص٧١.
(٣) صحيح مسلم (١٩٤٩-١٩٥١) .
(٤) وأخرج النسائي وأبو يعلى والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: لما قبض رسول الله - ﷺ - قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله - ﷺ - قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر (تأريخ الخلفاء للسيوطي ص٦٨) .
[ ١١٦ ]