ومن كمال عمر استعانته باللين
كان نبينا - ﷺ - مبعوثًا بأعدل الأمور وأكملها - فهو الضحوك، القتال، وهو نبي الرحمة، ونبي الملحمة، بل أمته موصوفون بذلك في مثل قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣) فكان النبي - ﷺ - يجمع بين شدة هذا ولين هذا، فيأمر بما هو العدل وهما يطيعان فتكون أفعالهما على تمام الاستقامة. فلما قبض الله نبيه وكان كل منهما خليفة على المسلمين خلافة نبوة، كان من كمال أبي بكر أن يولي الشديد ويستعين به ليعتدل أمره، ويخلط الشدة باللين - فإن مجرد اللين يفسد، ومجرد الشدة يفسد - ويكون قد قام مقام النبي - ﷺ -، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد ونحو ذلك، وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله - ﷺ -؛ ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برز بها على عمر وغيره، فجعل الله فيه من الشدة ما لم يكن فيه قبل ذلك
_________________
(١) منهاج جـ٣/١٢٥، جـ٤/٢١٦، ٢٥٢، ٢٩٧.
(٢) سورة الفتح: ٢٩.
(٣) سورة المائدة: ٥٤.
[ ١٣٣ ]
وأما عمر ﵁ فكان شديدًا في نفسه، فكان من كماله استعانته باللين ليعتدل أمره - فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيد الثقفي، والنعمان بن مقرن، وسعيد بن عامر، وأمثال هؤلاء من أهل الصلاح والزهد الذين هم أعظم زهدًا وعبادة من خالد بن الوليد وأمثاله. وقد جعل الله في عمر من الرأفة ما لم يكن فيه قبل ذلك، تكميلًا له، حتى صار أمير المؤمنين (١) .