كان ﵁ يقضي ويفتي بحضرة النبي - ﷺ - ويقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيره ففي الصحيح أن أبا بكر قال يوم حنين: «لا ها الله إذًا لا يعمد إلى أسد من أسود الله ورسوله يقاتل عن الله ﷿ وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال النبي - ﷺ -: صدق فأعطه إياه فأعطاه» الحديث (٤) . وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كان أبو بكر أعلمنا بالنبي - ﷺ - (٥) .
وقد ذكر غير واحد مثل منصور بن عبد الجبار السمعاني (٦) وغيره إجماع أهل العلم على أن الصديق أعلم الأمة. وهذا بين؛ فإن الأمة لم
_________________
(١) رواه البخاري في فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ - (٤١ ب٤) . ومسلم (٢٣٨٨) في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر وعمر.
(٢) قال ذلك لما اطلع عليه من غلبة صدق إيمانهما وقوة يقينهما (فتح الباري جـ ٧/٢٧) .
(٣) منهاج السنة جـ ٤/٤٤، ٢٥٣.
(٤) أخرجه مسلم ك٣٢ ح٤١ وفيه «وجلس رسول الله - ﷺ - فقال: من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه. قال فقلت من يشهد لي، ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، قال فقمت فقلت: من يشهد لي، ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله - ﷺ -: ما لك يا أبا قتادة؟ فقصصت عليه القصة. فقال رجل من القوم صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فأرضه من حقه، وقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع من قريش ويدع أسدًا من أسد الله» الحديث. ورواه البخاري ك ٥٧ ب١٨.
(٥) ويأتي في قصة بكاء أبي بكر لما ذكر النبي تخيير عبد بين زهرة الدنيا وبين ما عند الله.
(٦) المروزي أحد أئمة الشافعية في كتابه تقويم الأدلة.
[ ٤٠ ]
تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة، وذلك لكمال علم الصديق وعدله ومعرفته بالأدلة التي تزيل النزاع، وكان عامة الحجج التي تزيل النزاع يأتي بها الصديق ابتداء، وقليل من ذلك يقوله عمر أو غيره فيقره أبو بكر (١)، وكان إذا أمرهم أطاعوه. كما بين لهم موت النبي - ﷺ - (٢) وتثبيتهم على الإيمان (٣) ثم بين لهم موضع دفنه (٤) وبين لهم ميراثه (٥) وبين لهم قتال مانعي الزكاة لما استراب فيه عمر (٦) وبين لهم أن الخلافة في قريش (٧) وتجهيز جيش أسامة (٨) وبين لهم أن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة (٩) . واستعمله النبي - ﷺ - على أول حجة حجت من مدينة النبي - ﷺ - وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، ونادى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
_________________
(١) وذلك في غير المسائل الآتي ذكرها.
(٢) لما كشف عن وجهه الشريف وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، وقال من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات. ويأتي.
(٣) حين خطبهم وشجعهم. ويأتي ذلك.
(٤) فعن عائشة ﵂ قالت: لما قبض رسول الله وغسل اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: ما نسيت ما سمعت من رسول الله - ﷺ - يقول: «ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه» ادفنوه في موضع فراشه. أخرجه الترمذي في الشمائل وأبو يعلى وابن ماجه والنسائي.
(٥) إن ما تركه صدقة وإنه لا يورث. ويأتي في قصة (فدك) .
(٦) فظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه، فإن اللفظ الذي قاله الرسول - ﷺ -: «إلا بحقها» بين فقه أبي بكر، وهو صريح في القتال على أداء الزكاة وهو مطابق للقرآن قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ منهاج جـ ٤/ ٢٢٩، جـ ٣/٢٣١.
(٧) ويأتي.
(٨) ويأتي في آخر الكتاب.
(٩) ويأتي تحت عنوان: «الصديق أحب إلى رسول الله» .
[ ٤١ ]
وأردفه بعلي فقال: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور. فأمَّر أبا بكر على علي فكان ممن أمره النبي - ﷺ - أن يسمع ويطيع لأبي بكر ﵄. وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه. ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة. وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله - ﷺ - أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روي فيها (١)، وعليه اعتمد الفقهاء، وغيره في كتابه ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة. ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصًا، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم. وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة من الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره مسائل كثيرة كما بسط في موضعه (٢) . وتنازعت الصحابة بعده في مسائل مثل الجد والإخوة، ومثل العمريتين، ومثل العول وغير ذلك من مسائل الفرائض. وتنازعوا في مسألة الحرام، والطلاق الثلاث بكلمة واحدة، والخلية، والبرية، وألبتة، وغير ذلك من مسائل الطلاق. وكذلك تنازعوا في مسائل صارت مسائل نزاع بين الأمة إلى اليوم. ثم الأقوال التي خولف فيها الصديق بعد موته قوله فيها أرجح من قول من خالفه بعد موته، وطرد ذلك الجد والإخوة وجواز فسخ الحج إلى العمرة بالتمتع، وثبت عن ابن عباس أنه كان يفتي بكتاب الله، فإن لم يجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر، وعمر مقدمًا لهما على قول غيرهما. وثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٣) (٤) . (٤)
_________________
(١) انظر صحيح البخاري ك٢٤ ب ٣٧-٤٠.
(٢) انظر رفع الملام عن الأئمة والأعلام. لشيخ الإسلام.
(٣) المسند جـ١/٢٦٦ صحيح مسلم ك ٤٤ ح ١٣٨ «اللهم فقهه» وفي البخاري ك٦٢ ب٢٥ «اللهم علمه الحكمة» «اللهم علمه الكتاب» والحكمة: الإصابة في غير النبوة.
(٤) منهاج جـ ٤/١٣٥- ١٣٧، ٢٩٦، ٢١٦، ٢١٧، ٢٢١. جـ٣/١١٣، ١٢٢، ١٢٤، ١٢٥، جـ٢/٢٩٦ وانظر مجموع الفتاوى جـ٤/٤٠٠.
[ ٤٢ ]