تزوج النبي - ﷺ - ابنته، وكانت أحب أزواجه إليه، وهذا أمر لم يشركه فيه أحد من الصحابة إلا عمر، ولكن لم تكن حفصة ابنته بمنزلة عائشة؛ بل حفصة طلقها ثم راجعها. وعائشة كان يقسم لها ليلتين لما وهبتها سودة بإذنه - ﷺ - (٣)، فمصاهرة أبي بكر للنبي - ﷺ - كانت على وجه لا يشاركه فيها أحد. وقد صح عن الصادق المصدوق أنه قال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٤) . وفي الصحيح عن عمرو بن العاص ﵁ قال قلت يا رسول الله أي النساء أحب إليك؟ «قال: عائشة» (٥) وعائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول النبوة؛ فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها، وبلغت
_________________
(١) عن سهل بن يوسف بن سهل بن مالك عن أبيه عن جده أخي كعب بن مالك قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط» أخرجه ابن منده، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (كنز العمال جـ١٢/ ٥٠٤)، وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد ﵁ قال: «لما قدم النبي - ﷺ - من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك، أيها الناس إني راض عنه وعن عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين فاعرفوا ذلك لهم» .
(٢) منهاج جـ٤/ ٦٤.
(٣) كما في البخاري ك٦٧ ب٩٨. ومسلم ك ١٧ ب١٤.
(٤) البخاري ك٦٢ ب٣٠. ومسلم ك ٤٢ ب ١٣.
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٥٢ ]
من العلم والسنن ما لم يبلغه غيرها (١) .
وأهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة ومحبتها، وأن نساءه أمهات المؤمنين اللواتي مات عنهن كانت عائشة أحبهن إليه وأعظمهن حرمة عند المسلمين، وقد ثبت في الصحيح: «أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة (٢) لما يعلمون من محبته إياها، حتى إن نساءه غرن من ذلك وأرسلن إليه فاطمة ﵂ تقول له: نساؤك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. فقال لفاطمة: أي بنية! أما تحبين ما أحب قالت: بلى. قال: فأحبي هذه» الحديث في الصحيحين (٣)، وفي الصحيحين أيضًا أن النبي - ﷺ - قال: «يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام، قالت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا نرى» (٤)، وكان في مرضه الذين مات فيه يقول: «أين أنا اليوم» استبطاء ليوم عائشة (٥)، ثم استأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة ﵂ فمرض فيه، وفي بيتها توفي بين سحرها ونحرها وفي حجرها وجمع بين ريقها وريقه (٦)، وكانت ﵂ مباركة على أمته حتى قال أسيد بن حضير لما أنزل الله آية التيمم بسببها: «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ما نزل بك قط أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين بركة» (٧)، وقد كانت نزلت آية براءة قبل ذلك لما رماها أهل الإفك فبرأها الله من
_________________
(١) ذكر ذلك الشيخ ﵀ في بحث المفاضلة بينها وبين خديجة.
(٢) البخاري ك ٦٢ ب٣٠.
(٣) مسلم رقم (٢٤٤٢) .
(٤) البخاري ك ٦٢ ب٣٠. ومسلم ك ٤٢ ح ٢٤٤٧.
(٥) البخاري ك ٦٢ ب ٣٠. ومسلم ك ٤٢ ح ٢٤٤٣.
(٦) مسلم (٢٤٤٣)، والبخاري في عدة أبواب (انظر جامع الأصول جـ١١ ص٦٢-٦٨) .
(٧) البخاري ك ٦٢ ب ٣٠.
[ ٥٣ ]
فوق سبع سموات، وجعلها من الصينات (١) .