ولكن سعدًا مع ذلك لم يعارض ولم يدفع حقًا ولا أعان على باطل، بل روى الإمام أحمد ﵀ في مسند الصديق، عن أبي معاوية، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن هو الحميري - فذكر حديث السقيفة- وفيه أن الصديق قال: لقد علمت يا سعد أن رسول الله - ﷺ - قال: وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم. قال فقال سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء» فهذا الحديث مرسل حسن. ولعل حميدًا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا ذلك. وفيه فائدة جليلة جدًا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين.
وسعد بن عبادة لم يقدح في الصديق، ولا أنه أفضل المهاجرين، ومات ولم يبايعه ولا بايع عمر، ومات في خلافة عمر. وسعد من السابقين الأولين من الأنصار من أهل الجنة كما قالت عائشة ﵂.
ومن نازع من الأنصار أولًا لم تكن منازعته للصديق، بل طلبوا أن يكون من قريش أمير ومنهم أمير، فلما تبين أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة (١) .
_________________
(١) منهاج جـ٢/ ٢٣٩، جـ٤/٢١٤، ٢٢٦، جـ٣/٢٦٩، ١٥.
[ ١١٧ ]
وتخلف علي ﵁
وبعض بني هاشم، ثم بايعوه
طائفة من بني هاشم قيل إنها تخلفت عن مبايعته، فقيل: بايعوه ثاني يوم، وقيل تأخروا عن بيعته ستة أشهر ثم بايعوه من غير رغبة ولا رهبة لم يزعجهم ولا ألزمهم بيعته، وهذا كله من ورعه عن أذى الأمة وكمال عدله وتقواه.
والرسالة التي يذكرها بعض الكتاب أنه أرسلها إلى علي كذب مختلق عند أهل العلم؛ بل علي أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا فذهب هو إليهم، فاعتذر علي إليه وبايعه.
ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: أرسلت فاطمة إلى أبي بكر ﵄ تسأله ميراثها من رسول الله - ﷺ - (١) مما أفاء الله عليه في المدينة و(فدك) (٢) وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر الصديق ﵁: إن رسول الله - ﷺ - قال: «لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال» (٣) وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله - ﷺ - عن حالها التي كانت عليها في عهده، وإني لست تاركًا شيئًا كان رسول الله - ﷺ - يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ، فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله - ﷺ - ستة أشهر، فلما توفيت دفنها علي ليلًا ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي، وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما ماتت استنكر علي وجوه الناس
_________________
(١) تطلب صدقة النبي التي بالمدينة.
(٢) وتقدم ما يتعلق بفدك وأنه أزال الخلاف فيها.
(٣) يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل.
[ ١١٨ ]