لأبي بكر وعمر، وتقديمهم لهما
وقد جاء بعد أولئك في قرون الأمة من يعرف كل أحد ذكاءهم وذكاءهم ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل لا لأجل رياسته ولا مال، وممن هم أعظم الناس نظرًا في العلم وكشف لحقائقه، وهم كلهم متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر، فكل من له لسان صدق في الأمة من علمائها وعبادها متفقون على تقديم أبي بكر، وعمر كما قال الشافعي ﵁ فيما نقله عنه البيهقي بإسناده قال: لم يختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر ﵄ على جميع الصحابة.
وكذلك لم يختلف علماء الإسلام في ذلك كما هو قول مالك وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وداود وأصحابه، والثوري وأصحابه، والليث وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، وإسحاق وأصحابه، وابن جرير وأصحابه، وأبي ثور وأصحابه. وكما هو قول سائر العلماء المشهورين إلا من لا يؤبه له ولا يلتفت إليه ومالك يحكي الإجماع عمن لقيه أنهم لم يختلفوا في تقديم أبي بكر، وعمر حتى كان الثوري يقول: من قدم عليًا على أبي بكر ما أرى أن يصعد له إلى الله عمل. رواه أبو داود في سننه (١) .
وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسعيد بن أبي عروبة، وأمثالهم من علماء البصرة، وسعيد بن عبد العزيز وغيره من علماء الشام، وعمرو بن الحارث، وابن وهب وغيرهم من علماء مصر. ومثل
_________________
(١) السنن جـ٤/٢٠٦.
[ ٩٨ ]
عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد. ومثل البخاري، وأبي داود، وإبراهيم الحربي، ومثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان الدايراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد، وسهل بن عبد الله التستري، ومن لا يحصي عددهم إلا الله ممن له في الإسلام لسان صدق، كلهم يجزمون بتقديم أبي بكر، وعمر، كما يجزمون بإمامتهما، مع فرط اجتهادهم في متابعة النبي - ﷺ - وموالاته. فهل يوجب هذا إلا ما علموه من تقديمه هو لأبي بكر وعمر وتفضيله لهما بالمحبة والثناء والمشاورة وغير ذلك من أسباب التفضيل، ولما سئل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبي - ﷺ - قال: منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه في مماته، فقال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك (١) (٢) .