روى البخاري بسنده، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى تبوك، واستخلف عليًا، فقال: أتخلفني في النساء والصبيان؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي، والحديث ثابت في الصحيحين (٢)، لكن لا يدل على الخلافة بعد الموت.
١- لم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون؛ لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده، وأما استخلاف النبي - ﷺ - فجميع العسكر كان معه، ولم يتخلف بالمدينة غير النساء والصبيان إلا
_________________
(١) منهاج جـ٤/ ٢٠- ٣٢، جـ٢/ ٢١٩، ١٤٥، ١٤٦.
(٢) البخاري ك٦٤ جـ ٥/١٢٩ ب٧٨، مسلم رقم (٢٤٠٤) .
[ ١٠٦ ]
معذور أو عاص، فهو إنما خص عليًا لما توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته، ومن استخلفه سوى علي لما لم يتوهموا أن في الاستخلاف نقصًا لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام.
٢- أن هذا كما شبه أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه عمر بنوح وموسى من الشدة في الله واللين في الله - لم يمتنع أن يكون في أمته من يشبه إبراهيم وعيسى ونوح، وموسى - فالاختصاص بالكمال لا يمنع المشاركة في أصل التشبيه، وهؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبهه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي. وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دل عليه السياق وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف موسى هارون.
٣- أنه لو كان بمنزلة هارون مطلقًا لم يستخلف عليه أحدًا، وقد كان يستخلف على المدينة غيره وهو فيها، كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي وكان علي بها أرمد.
٤- أن الاستخلاف في الحياة نوع نيابة لا بد منه لكل ولي أمر، وليس كل من يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الأمة يصلح أن يستخلف بعد الموت.
٥- أن ذلك عام تبوك، ثم بعد رجوع النبي - ﷺ - بعث أبا بكر أميرًا على الموسم، وأردفه بعلي. فقال: أمير، أم مأمور (١)؟ فكان أبو بكر أميرًا عليه، وعلي ومن معه كالمأمور مع أميره يصلي خلفه وينادي مع الناس بالموسم أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت
_________________
(١) قال بل مأمور كما تقدم.
[ ١٠٧ ]