*
لقد خلق الله الإنسان لعبادته، فالعبودية هي المقصد الأهم، والمحور الذي يجب أن تدور حوله وتنطلق منه جميع أعماله ومعاملاته واهتماماته ومقاصده.
والإسلام عندما بيّن جميع نواحي العبادة، وما يتصل بها، لم يتجاهل كون الإنسان اجتماعيًا بطبعه، وما للمجتمع الذي يعيش فيه من تأثير على نفسه وتفكيره وسلوكه.
ومن أجل ذلك جاء الإسلام بالأسس المتكاملة، وهي النّظام الذي يقوم عليه المجتمع المسلم، وهو نظام يمتاز بالشمول والواقعيّة، ويضمن سير الحياة فيه على وجه يحقق العدل والأمن والحياة الكريمة لكافّة أفراده، كما يمنحهم الفرصة بالمشاركة في التنمية الحضارية، مما يدفع المجتمع إلى مستوى رفيع من الإنتاج الاقتصاديّ والزراعيّ والتجاريّ والصناعيّ، وفي كافة المجالات.
وبهذا يحصل التّوازن في سعي النّاس في المجتمع المسلم بين قيامهم بمتطلبات العبودية التي من أجلها خلقوا، وبين كدحهم في استثمار واستغلال ما سخّره الله لهم على الأرض طلبًا للرزق ومتطلبات الحياة.
وهم في سيرهم في كلا الأمرين يُحكمون بمنهج ونظام رباني يسترشدون به في كل ما يأتون أو يذرون، فيأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، ويباعدهم عن سبل الضلال وظلمات الجاهلية.
والحق أن المجتمع المسلم بتعاليمه وشرائعه، وقيمه وأنظمته،
[ ٢ / ٥٤١ ]
وضوابطه، وكوابحه حصن متين يتحصن به المسلمون من خصائص الجاهلية، وأفكارها الضالة وشرائع الطاغوت، وهذا الحصن مكوّن من دعامات وسدود يقوم كل منها بسد ثغرة يحتمل تسلل الفساد من خلالها إلى قلب المجتمع المسلم.
وبقدر صلابة وتماسك هذه الدعامات، تكون قوة وتماسك الحصن الاجتماعي، وإذا ضعفت فتحت فيه ثغرات يتسلل منها الضلال الفكري والسلوكي إلى جسد الأمة، فيضعف المجتمع وتنخر فيه عوامل الفساد.
وهذا الأثر العظيم للمجتمع المؤمن -وهو كونه حصنًا لأفراده- يفسر بعض جوانب الحكمة في عناية الشارع بإقامة المجتمع المسلم، وتنظيمه، والتأكيد على وجوب لزوم جماعة المسلمين، وإيجاب الهجرة إلى بلاد الإسلام، والنهي عن مساكنة المشركين والإقامة بينهم، والسفر إلى بلادهم بغير حاجة شرعية.
فالإسلام يحتّم على أتباعه الانضمام إلى المجتمع المسلم ليصطبغوا بصبغته ويسايروا تعاليمه، ويوالوا أهله، ويحكموا بنظامه، ويحتموا بحماه من شرور الجاهليات والأفكار المضللات.
قال سيد قطب -﵀- مبينًا أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم: "والحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالًا متنوعة في تركيبها العادي والتشكيلي، ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة، لأنها هي مقومات هذه الحضارة: العبودية لله وحده، والتجمّع على
[ ٢ / ٥٤٢ ]
آصرة العقيدة فيه، واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة، وسيادة القيم الإنسانية التي تنمّي إنسانية الإنسان لا حيوانيته.. وحرمة الأسرة، والخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون هذه الخلافة "١.
فالإسلام بإقراره هذه الأسس يقدم للناس المجتمع المتحضر حقًا، الذي يشعر فيه الإنسان بإنسانيته وتكريم الله له، ويحس بسموّ هدفه، وإثمار سعيه في عبوديته: ولاية الله في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة، ويرى ثمرة كدحه في شؤون دنياه: تقدمًا علميًا وصناعيًا وزراعيًا وتجاريًا واجتماعيًا.
ويولي الإسلام هذه الأسس عناية خاصة لما لها من الأهمية في استقرار المجتمع المسلم، وتحصينه وسلامته من المؤثرات الجاهلية، وتتجلى هذه العناية بدقّة البيان لتفاصيل كلّ منها، وبالتشديد على إقامتها والتحذير من الإخلال بشيء منها.
وبقدر اهتمام الإسلام بتوطيد هذه الأسس، يعمل أعداء الإسلام جاهدين على زعزعتها وإضعافها، ليسهل عليهم التوغل في المجتمع المسلم والإفساد فيه.
قال سيد قطب -﵀- في معرض كلامه عن جانب من
_________________
(١) ١ معالم في الطريق ص١٣٢.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
جوانب الفكر الهدام وأثره على أسس المجتمع المسلم: "وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي، ونتائج هذا الفكر في كل حقول المعرفة، يقوم على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التطور الديني جملة، فإن تلك المناهج، وهذا النتاج أشد عداء للتصور الإسلامي خاصة، لأنه يتعمد هذا العداء بصفة خاصة، ويتحرى في حالات كثيرة -في خطة متعمدة- تمييع العقيدة والتصور والمفهومات الإسلامية، ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميّز المجتمع المسلم في كل مقوماته"١.
وهذه الأسس -كما تقدم- تشكل حصنًا منيعًا للمجتمع إذا طبقت على الوجه الصحيح.
فالمؤمنون في مجتمعهم يحاطون بأسوار إيمانية تحميهم من الأخطار الداخلية والخارجية، وهذه الأسوار يؤثر بعضها في بعض، فإذا انهدم سور منها أو اختل انهدم أو اختل سور آخر قائم عليه أو متأثر به.
ويمكن حصر هذه الأسوار الإيمانية في ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: ما يتعلق بالرابطة الإيمانية التي تشد أفراد المجتمع بعضهم إلى بعض، بالشعور المشترك بالعبودية لله وحده، والتجمع على آصرة الأخوة فيه، وعلى العمل لنشره والدفاع عنه، وما يتصل بذلك من الأخلاق الفاضلة الجالبة للمحبة والتراحم والتلاحم،
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٤٨.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
والتعاون على البر والتقوى، وما يلزم لاستمرارها وازديادها من وجود نظام متكامل يتمثل بتعاليم الإسلام وشرائعه وحدوده وضوابطه التي تنظم العلاقات والمعاملات وسائر جوانب الحياة على وضع يحقق العدالة، ويعمق المودة، ويُعرِّف كلًا بما له من حق وما عليه من واجب.
ويتصل بذلك نظام الردع المتمثل بالحدود والعقوبات الأخرى المانعة من ظهور الفساد في المجتمع المسلم وانتشاره، ونظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بقيامه يضمن المجتمع المسلم سير جميع أموره سيرًا صحيحًا على منهج الله ويكون واعيًا متيقظًا لكل طارئ غريب فكريّ أو سلوكيّ يحاول التسلل إلى المجتمع.
المجموعة الثانية: ما يتعلق بقيام الدولة وعلى رأسها ولي الأمر وأعوانه من الوزراء والأمراء والقضاة بما عليهم من واجب تنفيذ الدين والدفاع عنه.
المجموعة الثالثة: ما يتعلق بوضع الدولة المتمكن في الأرض ومنزلتها المهيبة بين الأمم، وما له من الأثر في استقرارها الداخلي وحصانتها الفكرية وذلك يرجع إلى أخذها بأسباب القوة والإعداد للجهاد وإقامته. هذا وسوف أفرد لكل منها فصلًا مستقلًا أبيّن فيه -إن شاء الله- أثرها في تحصين المجتمع المسلم ضد الشرور عامة والفكرية منها خاصة. والله المستعان.
[ ٢ / ٥٤٥ ]