يحيط بالدولة الإسلامية من جميع الجهات أمم كافرة، والكفر ملة واحدة، وهم جميعًا جند الشيطان وحزبه، والدولة الإسلامية مأوى جند الرحمن وحزبه. والحق في صراع دائم مع الباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وعليه فإن الدولة الإسلامية إذا كانت قوية عسكريًا ومتحدة، آخذة بأسباب القوة وعدتها، كان لها هيبة عند الكفار، فلا يجرؤون على حربها والتعرض لها، وبذلك يسلم أفراد المجتمع من شرهم وعقائدهم الخبيثة.
وتمكن الدولة الإسلامية له وضعان:
الوضع الأول: أن تكون هي القوة الظاهرة، قد دحرت دول الباطل وكسرتها، وأعلت كلمة الله، وهذه هي قمة التمكن، وبذلك تكون الدعوة الإسلامية مؤثرة، والمسلمون يُعجب ويقتدى بهم، ولهم هيبة القوي المنتصر.
والوضع الثاني: أن يكون لديها قوة وشوكة تقاتل بها قوى الباطل وتدافع عن نفسها، ولكنها ليست بالقوة الظاهرة المسيطرة، وإن كانت محافظة على وجودها وتماسكها، ولها ثقلها في النظام الدولي، وهذا الوضع يحتمي به المسلمون ويحسب له الكفر حسابه، وإن لم يكونوا بتلك المكانة من حيث إعجاب الناس وشدة تأثرهم بهم، وهم مع الكفار في حالة من الحرب العسكرية والفكرية، والحرب بينهم سجال.
[ ٢ / ٦٦١ ]
أما الوضع غير المتمكن الذي تكون فيه دولة الإسلام ضعيفة قد ظهر عليها الكفار وفاقوها عددًا وعدة، وأصبح وضعهم السياسي والعسكري والاقتصادي أقوى من وضعها، وهي في داخلها لم تأخذ بعد بأسباب التمكين من سلامة العقيدة وإخلاص العبادة، واتحاد الكلمة وإعداد العدة.
فهذا الوضع للجماعة المسلمة يجعلها مكشوفة مهدمة الأسوار أمام الكفار، فإما أن يأخذوها لقمة سائغة، كما فعلت دول الاستعمار الصليبية في احتلالها معظم العالم الإسلامي في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وبذلك يعملون مباشرة على فرض الفكر المخالف على الناس، بتأسيس المدارس والعلاقات الاجتماعية، والنظم الاقتصادية على مبادئ إلحادية -كما يوجد في بلاد الكفر- وذلك هدم للمجتمع من أساسه، وإما أن تبقى دولة الإسلام، ولكن توجه إليها ضغوط مختلفة؛ فَتُكْرَه على انتهاج سياسات اجتماعية وإعلامية تسمح بنشر الأفكار الضالة، والعلاقات المنحرفة التي يريدها الكفار ويخططون لها.
كما تجبر على سياسات اقتصادية وزراعية وصناعية تضمن عدم نهوض المجتمع المسلم في ميادين الصناعة والقوة والتجارة، فيبقى بعيدًا عن أسباب النصر، ومستهلكًا دائمًا لصناعة الكفار.
وهذا الأسلوب الأخير أخطر من الأول، لأن الناس فيه يظنون أنهم يحكمون بالإسلام لكون الحكام من أبناء المسلمين، كما أنهم في هذه
[ ٢ / ٦٦٢ ]
الحالة يجرون إلى الانحلال والكفر برضاهم دون إكراه، أما النوع الأول فإن الناس يأنفون ويقاومون المستعمر، ويعادون ما جاء منه في الغالب.
وهذا السور -أعني بقاء الأمة في وضع التمكن في الأرض- لا يتحقق إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، والعمل المستمر في الإعداد والأخذ بأسباب القوة، بعد إقامة دين الله في أرضه وبين عباده.
وقد جاء المجال للكلام على أثر الجهاد في حماية المجتمع المسلم، والله المستعان:
أثر الجهاد في تحصين المجتمع المسلم ضد الأفكار الخبيثة:
الجهاد شعيرة هامة من شعائر الإيمان، أمر الله به المؤمنين وجعله من أسباب فلاحهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٣٥] .
وقد جاهد رسول الله ﷺ وجاهد صحابته معه وبعده، وورثهم من تبعهم في إقامته حتى أعلى الله به كلمته، وبسط سلطان الإسلام في أنحاء الأرض. ولذلك فأثر الجهاد أثر من آثار الإيمان وشعائره المباركة. وسوف أستعرض بعض النصوص التي تبين أثر الجهاد في تحصين المجتمع المسلم.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فمن تلك النصوص، قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٣٩-٤٠] .
ففي هذه الآيات بيان لأثرين هامين من آثار الجهاد المباركة، والتي من أجلها شرع:
الأثر الأول: أن القتال وسيلة لرفع الذل والظلم عن المستضعفين من أهل الإيمان، فالله قد أذن لهم بهذا السبب، وفتح لهم باب الأمل بالنصر بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ بعدما ابتلاهم ومحصهم، واقتضت حكمته أن ينقلهم إلى مرحلة المجابهة العسكرية، وهي خطوة تقودهم إلى وضع العزة والتمكين، بعد الخطوة الأولى وهي إقامة الدين.
فالمسلمون في مكة كانوا مستضعفين يعذبون ويُستهزَأ بهم ويضطرون إلى الهجرة عن بلادهم، ولما أراد الله لهم عزًا وتمكينًا في الأرض، ورفعًا للظلم عنهم، هيأ لهم أسباب الجهاد بوجود الجماعة، والمكان الذي ينحازون إليه ويحتمون به، والعدة، وأذن لهم بالقتال ووعدهم بالنصر إذا استقاموا على نصر دينه، وقد فعلوا ما أمرهم به،
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وأنجز لهم ما وعدهم، فدل ذلك على أن الله أعزهم ومكنهم ورفع الظلم عنهم بالجهاد، فهو السبب الشرعي لعزة الأمة وتمكينها في الأرض، بعد نصر الله بالتزام دينه.
وإذا ترك المسلمون الجهاد الذي هو سبب عزهم وظهورهم رجع عليهم الذل، وظهر عليهم عدوهم.
وقد بين هذا المعنى نبينا الكريم ﷺ بقوله: " إذا تبايعتم بالعينة١وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "٢.
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني مبينًا المراد بهذا الحديث: " إن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع والحرث، بل لما يقترن به من الإخلاد إليه والانشغال به عن الجهاد في سبيل الله، فهذا هو المراد بالحديث، وأما الزرع الذي لم يقترن به شيء من ذلك، فهو المراد
_________________
(١) ١ العينة: لها صور متعددة من أشهرها: أن يبيع الرجل للرجل شيئًا بثمن مؤجل ثم يشتريه منه نقدًا بثمن أقل، ومنها عكس الصورة المتقدمة، وهي أن يبيع الرجل سلعة بثمن معلوم نقدًا، ثم يشتريها بثمن أكبر منه مؤجل. انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض بن موسى السبتي ١/١٠٧ ط: دار التراث. ٢ رواه أبو داود في سننه رقم الحديث ٣٤٦٢ ٣/٧٤٠، وقال الألباني"هو حديث صحيح لمجموع طرقه" السلسلة الصحيحة ١/١/١٥.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
بالأحاديث المرغبة في الحرث، فلا تعارض بينها، ولا إشكال"١.
فمن فوائد هذا الحديث أن الإخلاد إلى الدنيا وترك الجهاد والإعداد موجب لعقوبة الله لجماعة المسلمين، بتسليط الذل عليهم، وذهاب ريحهم، وزوال الهيبة من قلوب أعدائهم.
وفائدة أخرى هامة دل عليها الحديث، هي بيان الطريق إلى رفع الذل عنهم، وأنه يكون برجوعهم إلى دينهم، ومعلوم أن الرجوع إلى الدين يستلزم من الأمة جهادًا داخليًا يتم داخل المجتمع المسلم وبين أفراده، بالدعوة إلى الله والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، والغرض من ذلك مراجعة الدين وإزالة ما حصل فيه من انحرافات ومخالفات في العقائد والعبادات والمعاملات، ويشهد لذلك الرواية الأخرى في مسند الإمام أحمد وفيها: " أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم، حتى يراجعوا دينهم "٢.
ومراجعة الدين خطوة تسبق الرجوع إليه وتؤدي إليه، ومن ذلك إقامة الجهاد والعمل على الإعداد بعد إصلاح العقائد والأعمال، والتخلص مما لم يأذن به الله منها، وبذلك تدخل الأمة الميدان متسلحة أولًا بالإيمان الصحيح الذي تستوجب به ولاية الله وتوفيقه وتسديده
_________________
(١) ١ السلسلة الصحيحة ١/١/١٧. ٢ رواه الإمام أحمد في مسنده، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث ٤٨٢٥ ٨/٢٧.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وعونه ورعايته ونصره.
أما الدعوة أو العمل على إقامة الجهاد كخطوة أولى دون أن تتقدمها الخطوة التي أرشد إليها النبي ﷺ وهي مراجعة الدين والرجوع إليه، فإن ذلك مُؤداه الدخول إلى ميدان الصراع بدون ولاية الله التي لا يتحصل عليها إلا من كان على ما أراده الله وشرعه من الاعتقاد والعمل، وهي محاولة لرفع الذل والظلم عن المسلمين دون العمل على إزالة السبب الأول والرئيس في حصوله، وهو الانحراف عن الدين، والبعد عما كان عليه السلف الصالح، وانتشار المخالفات والبدع العقدية والفعلية والقولية بين المسلمين، تلك المخالفات التي حجبت عن الأمة ولاية الله.
الأثر الثاني: دلت الآية ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض﴾ على أثر آخر هام حيث بينت أن القتال شرع لدفع الكفار بالمسلمين، ويترتب على ذلك انحسار أذاهم وشرهم عن عباد الله، وترك الجهاد سبب لتسلط الكفار على المسلمين، وصدهم عن دينهم، وتخريب أماكن العبادة إما بهدمها وإزالة بنيانها، أو بصد الناس عنها بفتح أبواب الشر والفساد واللهو واللعب، فينصرفوا إليها وتبقى دور العبادة خرابًا من أهلها.
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩٣] .
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال:٣٩] .
ففي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لأثر من آثار قتال الكفار:
الأول: أن قتال الكفار قاطع للفتنة.
وذلك أن تعطيل الجهاد يؤدي إلى قوة الكفار وظهورهم على المسلمين، فتحصل الفتنة بهم ومنهم، فيرتد بعض المسلمين عن دينهم، أو يفتنوا حتى يتركوه، وهذه مفسدة أعظم من مفسدة إزهاق روحه.
قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل﴾ [البقرة:١٩١] .
قال ابن جرير -﵀-: "وقد بينت فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار، فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه، فيصير مشركًا بالله، من بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيمًا على دينه متمسكًا عليه محقًا فيه"١.
وقال سيد قطب -﵀-: "إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية، ومن ثم فهي أشد من القتل، أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة، ويستوي إن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي، أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٢/١٩١.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج الله، وتزين لهم الكفر به والإعراض عنه"١.
الأثر الثاني: أنه بإقامة الجهاد يكون الدين لله.
والمراد بالدين هنا العبادة والانقياد والطاعة لله في أمره ونهيه٢.
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: إذا كان دين الله هو الظاهر على سائر الأديان٣.
قال سيد قطب -﵀-: "وغاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله، وألا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها، كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام، وتسلط عليهم في المغريات والمضلات والمفسدات، وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه ويهابه أعداؤه، فلا يجرؤوا على التعرض للناس بالأذى والفتنة والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة، وحتى تصبح الغلبة لدين الله والمنعة"٤.
وإعداد العدة والأخذ بأسباب القوة له أثر فعال في إرهاب الأعداء القريبين والبعيدين، فمع أخذ الدولة المسلمة بأسباب القوة نجد أن الكفار
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ٢/٢٧٢. ٢ جامع البيان ٢/١٩٤. ٣ تفسير القرآن العظيم ط: الشعب ١/٣٢٩. ٤ في ظلال القرآن ٢/٢٧٣.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
يشتغلون في الدفاع عن أنفسهم وتحصين ديارهم، فيستريح المسلمون من شرهم وتآمرهم.
أما في حالة ضعف الدولة المسلمة، فإن الكفار يتجرؤون عليها، ويعملون في إضعافها وزعزعة أسس قوتها بالمكر والتآمر مع طائفة المنافقين والعملاء، أو الاعتداء المباشر على بعض تجمعات المسلمين، أو بالضغوظ المختلفة التي سبقت الإشارة إليها.
قال تعالى مبينًا هذا الأثر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٦٠] .
ففي هذه الآية الكريمة ذكر الله تعالى ثلاثة أسباب هامة، تحصل بها الغاية الفعالة وهي إرهاب العدو، فهذه الأمور هي:
أولًا: إعداد المستطاع من القوة، ويختلف هذا باختلاف الزمان والمكان، فالواجب على المسلمين في هذا العصر: صنع المدافع والطائرات والصواريخ، والقنابل والدبابات، وإنشاء السفن الحربية والغواصات ونحو ذلك، كما يجب عليهم تعلم الفنون والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيره من قوى الحرب١.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير المراغي، أحمد مصطفى المراغي ١٠/٢٤، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط: الرابعة، ١٣٩٠هـ.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
ثانيًا: مرابطة الجند في ثغور البلاد وحدودها، والحكمة من ذلك أن يكون للأمة جند مستعد دائم للدفاع عنها، إذا فاجأها العدو.
وهذا الأمر الهام -الذي أرشد إليه القرآن- نجد أن الأمم الكافرة التي تعمل على بسط هيبتها ونفوذها في العالم، تعمل به وتوليه عناية فائقة، من خلال تدريب جيش للتدخل أو الانتشار السريع، وأنظمة للطوارئ والإنذار المبكر، وقواعد متطورة قريبة من أماكن الخطر المتوقعة، وكان الأجدر بالمؤمنين أن يعملوا بموجبه، ويستنيروا بهدى القرآن، ويأخذوا بتوجيهاته، فيعدوا العدة، ويأخذوا بزمام المبادرة، ويحصنوا ثغورهم ويوحدوا كلمتهم، بعد أن يقيموا توحيد ربهم وشريعته، ليدخلوا الميدان حائزين على ولايته، مؤهلين لتأييده ونصره.
الثالث: الترغيب في النفقة في سبيل الله، وفي ذلك إشارة إلى أن أعداد العدة وتهيئة الجيوش المرابطة تحتاج إلى بذل المال الكثير، وقد رغبهم الله في النفقة في هذا المجال، ووعدهم عليه بالأجر الجزيل في الآخرة، مع ما يتحصلون عليه في الدنيا، من عزتهم وخوف عدوهم منهم، وسلامة دينهم ودنياهم من شره وكيده.
فإذا تحققت هذه الأسباب حصل ما رتب عليها من عزة الإسلام وأهله، ورهبة الكفار منهم، وبذلك يصبح المجتمع المسلم آمنًا من شرهم مطمئنًا، وتصبح حصونه الداخلية قوية منيعة تحت ظل حكومة قوية، كما ينقمع المنافقون والحاقدون الذين يكيدون له من داخله، لأنهم يستندون
[ ٢ / ٦٧١ ]
على أعداء الإسلام ويتقوون بهم.
فإذا ضعف مستندهم كبتوا وتواروا، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] . وقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] .
وهذا الأثر الهام -أثر وضع الدولة المتمكن- في تحصين المجتمع المسلم، قد فطن له علماء الإسلام، وبينوا أهميته:
قال الماوردي وهو يعدد واجبات الإمام: "الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرمًا أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم، أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله"١.
وقال عبد الكريم زيدان، معلقًا على كلام الماوردي: "والحقيقة أن دفع الأعداء عن دار الإسلام ضروري لحفظ الدين وبقائه، لأن اسيتلاء الكفرة على دار الإسلام ضياع للإسلام وطمس لحقائقه، وفتنة عظيمة للمسلمين، وزعزعة لعقائدهم بسبب حكم الكفرة له، وما يبذلونه
_________________
(١) ١ الماوردي الأحكام السلطانية ص١٦.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
لصرف المسلمين عن دينهم الحق، بالوعد والوعيد والتلبيس والخداع أو التضليل، بل نستطيع القول أن من لوازم وتمام حفظ الدين إعلاءه وإظهاره على جميع أنظمة الكفر حتى لا يبقى للباطل حكم قائم ولا راية مرفوعة"١.
وقال محمد بن ناصر الجعوان: "القتال في الإسلام عبادة عظيمة من أفضل القربات إلى الله وأكثرها أجرًا وثوابًا كيف لا؟ وهو الذي بسببه تقوى ركائز الدعوة الإسلامية، وينشط أهلها، وتتعمق في الأرض جذورها، وهو الذي يجعل أعداء الحق يخضعون لسلطان الله، فيتركون المسلمين يؤدون عباداتهم ويقيمون دولتهم، وينشطون في دعوة الآخرين إلى الله ورسوله، ونحن نعلم جميعًا بأن دولة الإسلام في عهد مؤسسها الأول محمد بن عبد الله ﷺ لم تقم ولم يخضع لها الكفر وأهله، إلا بعدما ارتفعت راية الجهاد عندما فرضه الله عليهم"٢.
وخلاصة ما تقدم: أن إقامة الجهاد في سبيل الله، وتكاتف الأمة في الإعداد له والإنفاق بسخاء على ذلك يمكن للأمة في الأرض، ويعلي من شأنها، وتكسر شوكة أعدائها ويأخذهم الرعب والرهبة منها، وبذلك تبقى حصون الدولة الداخلية آمنة من مكرهم، قوية بقوة الأمة، عزيزة بعزتها.
_________________
(١) ١ أصول الدعوة ص٢٢٢. ٢ القتال في الإسلام وأحكامة وتشريعاته، ص٤٥، مطابع المدينة، الرياض ط: ٢/ ١٤٠٣؟.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
الخاتمة
في ختام هذا البحث عن آثار الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة، والذي تم الكلام فيه -بحمد الله- في تمهيد وثلاثة أبواب، أجمل أهم النتائج التي احتواها فيما يلي:
١- أن الإيمان المؤثر الذي يثمر لصاحبه ولاية الله، ويتحصن به ضد الشرور عامة والفكرية خاصة، هو ما بينه الله في كتابة وسنة رسوله ﷺ وكان عليه سلف الأمة، وهو الذي يشمل الاعتقاد والقول والعمل.
٢- وأنه يقوم على أسس هامة هي:
أولًا: الكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله.
ثانيًا: الإيمان بالغيب.
ثالثًا: القيام بمقتضى التكليف بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.
رابعًا: الإخلاص لله في العبادة.
خامسًا: صدق المتابعة للرسول ﷺ.
سادسًا: العلم والبصيرة في كل ما تقدم.
٣- إن الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية إلى يوم القيامة، وأنه قائم بين المؤمنين والكافرين بشتى ومختلف الميادين، وأنه يأخذ أشكالًا ثلاثة على وجه الإجمال:
الأول: الصراع بالمجادلة والمحاجة.
الثاني: الصراع بالمراوغة والكيد والتآمر وبث الشبهات ونحوها، من
[ ٢ / ٦٧٧ ]
جند الشيطان ضد المؤمنين (الصراع أو الغزو الفكري) .
الثالث: الصراع المسلح.
٤- أن أعظم أنواع الصراع تأثيرًا على سلامة الأمة الإسلامية هو الصراع والغزو الفكري الذي استهدف زعزعة الإيمان، وحرف السلوك بنشر الفكر الهدام.
٥- أن الجهود القديمة لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والحاقدين من أبناء الفرس أثمرت الفرقة بين صفوف المسلمين، ونتج عنها ظهور الفرق المنتسبة للإسلام التي تتبنى كل منها جملة من الأفكار الجاهلية.
٦- أن الجهود الحديثة المنظمة المدعومة من الدول القوية الصليبية والشيوعية، ومن اليهود أثرت تأثيرًا جذريًا في حرف كثير من المسلمين أفرادًا وجماعات عن الالتزام بالدين وتطبيقه، وتفننوا بوسائل التضليل وأجادوها، ونشروا الفكر الخبيث بأساليب متقدمة، ولا تزال تزداد مكراُ وخبثًا في هذا المجال.
٧- أن على المؤمنين التصدي لهذا الهجوم الفكري الخبيث بمقاومته والتخلص من آثاره والعمل على وقاية المجتمع منه، وأن يكون ذلك وفق خطة مدروسة يجتمع عليها كافة أفراد المجتمع من ولاة وعلماء ودعاة وعامة، ويجند لها كل الوسائل المشروعة المناسبة.
٨- أن على الأمة أن يدخلوا ميدان الصراع والمقاومة وهم مؤيدون
[ ٢ / ٦٧٨ ]
بولاية الله، وهذا لا يتسنى لهم إلا بالتزام الإيمان الصحيح الذي يوجب لهم ولاية الله ونصره وتأييده وتوفيقه، فالتزام الإيمان الصحيح والدعوة إليه وتعليمه للناس، وتنشئة الناشئة عليه من أهم الأسباب لمقاومة الفكر الخبيث، وهو الخطوة الأولى في العمل لمجابهته.
٩- أن الآثار الإيمانية التي تثمر الحصانة من الشرور الفكرية تنقسم على وجه الإجمال إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ولاية الله لعباده المؤمنين.
الثاني: الأثر القلبي المتمثل في دور الإيمان وعمله في تحصين القلوب من الاغترار بالفكر الجاهلي، وسائر الشرور.
الثالث: الأثر الاجتماعي، المتمثل بإيتاء الشعائر الإيمانية الاجتماعية ثمرتها في تقوية الجبهة الداخلية، وتماسك المجتمع وتطهيره وحمايته من الضلالات عامة والفكرية خاصة.
١٠- أن أهم الآثار التي يستفيدها المسلم من تحقيق الإيمان، والتي لها دور بالغ في تحصينه من الفكر الهدام هي ولاية الله ﷿ له.
١١- أهل ولاية الله هم المؤمنون المتقون، وهم على وجه الإجمال طائفتان: المقربون المحسنون، والأبرار أصحاب اليمين، وأهم سبب لتحصيل الولاية والذي هو الأساس الأهم الذي يقوم عليه الإيمان والتقوى، هو تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله، والخلوص من الشرك وأهله.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
١٢- أن مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن في مجال تحصينه من الفكر الضال تتجلى في: إخراجه من الظلمات إلى النور، وأن يجعل له من كل ضيق مخرجًا، ويثبته عند الشدائد، ويحول بينه وبين ما قد يقوم بقلبه من السوء، ويحوطه بعنايته ورعايته، ومن ذلك أنه يصرفه عن الأفكار الخبيثة، أو يصرفها عنه لما يهيء له من الأسباب، وإذا كان العبد من المقربين المحسنين، فإن الله يزيد في عنايته له، ومعيته له، فلا تنبعث جوارحه وقلبه إلا لما يرضي الله، فيكون في حصن حصين من كيد المفسدين وضلالاتهم الفكرية.
١٣- أن لله بجماعة المؤمنين -الذين حققوا الإيمان في أنفسهم وفي مجتمعهم والتزموه ظاهرًا وباطنًا عقيدة وسلوكًا ودعوة وجهادًا- ألطافًا خفية وجلية، يحصنهم بها من الفكر الهدام، فيحوطهم بعنايته ورعايته، ويهديهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويصرف عنهم كيد عدوهم، وهو معهم دائمًا يدافع عنهم في جميع أحوالهم وأطوارهم، ويهيئ لهم الأسباب التي تصرفهم عن الباطل أو تصرفه عنهم.
١٤- أن من أعظم الآثار الإيمانية تحصينه لقلوب المؤمنين عن الأفكار المنحرفة. وذلك أنه يقوم بالقلب أهم الوظائف الإنسانية المؤثرة في سلوك الإنسان، مثل: التعقل، والاعتقادات، والإرادات والنيات، والعواطف والانفعالات.
١٥- أن التعقل هي الوظيفة الهامة في التأثير على بقية الوظائف
[ ٢ / ٦٨٠ ]
القلبية، وإذا كان العلم المتعقل الواصل إلى القلب صحيحًا انصبغت بقية الوظائف به، ومالت إلى موجبه، والعكس بالعكس، وبذلك تتبين أهمية شعيرة العلم في التأثير في صلاح القلب وعمرانه بالخير واستغنائه بالوحي عن أفكار الجاهلية.
١٦- أن حياة القلوب أو مرضها أو موتها موقوف على صلاح أو فساد ما فيها، وهي باعتبار ذلك ثلاثة أنواع: قلب ميت، وقلب مريض، وقلب حي.
١٧- أن القلب المحصن ضد الأفكار الهدامة والميل إلى الباطل، هو القلب الحي العامر بالإيمان.
١٨- أن أثر الإيمان على القلوب دائر بين تطهيرها وتزكيتها، ولكل منها دور في حصانة القلب وسلامته وتجافيه عن السوء والفكر الخبيث.
١٩- أن التطهير مقدم على التزكية، وهو شرط لها.
٢٠- أن أثر الإيمان في تطهير القلب يتجلى في ثلاثة أمور:
الأول: تطهيره من العقائد الباطلة، والظنون السيئة.
والثاني: تطهيره من الران ودرن المعاصي.
والثالث: تطهيره من العواطف الفاسدة.
٢١- أن تعقل القلب للعلم المستقى من الوحي المطهر، وقبوله له، هو العامل الأهم في تطهير القلب من العقائد الباطلة والظنون السيئة الناتجة عنها، ويتجلى ذلك بوضوح بالعلم بالله بمعرفة أسمائه وصفاته وحقه على
[ ٢ / ٦٨١ ]
عباده، وتحقيق التوحيد.
٢٢- أن العقائد الباطلة والظنون السيئة ثغرة في القلب، تميل به إلى ما يشاكلها من الفكر الجاهلي.
٢٣- أن هذه الأهمية لمباحث التوحيد في تخليص القلب من المعتقدات والظنون الباطلة، تبين الحكمة من العناية العظيمة بتقرير مباحث التوحيد في الكتاب والسنة، وأهمية دراستها ووجوب البدء بها علمًا عملًا.
٢٤- أن كثيرًا من المسلمين اليوم بحاجة إلى تطهير القلوب والمناهج، مما شابها من المعتقدات الباطلة والظنون السيئة النابعة منها.
٢٥- أن ران الذنوب يغطي القلب وينتج عنه قطع الصلة بالله، وظلمة القلب ويغذي مادة الشر فيه، وبذلك تضعف ولاية الله له، ويسير بلا نور وهدى، ويقوى ميله إلى الباطل ويسهل تقبله للفكر الهادم، وتصبح أسوار القلب مهدمة أمام شياطين الإنس والجن الذين يزينون ويقذفون به الباطل والشبهات.
٢٦- أن تطهير القلب من الران ودرن المعاصي، أثر هام من آثار الإيمان، وأن ذلك يتم بفعل المكفرات، وهي الأعمال الصالحة، التي جعلها الله من رحمته تكفر الذنوب وتُمحا بها الخطايا، وبذلك يحافظ القلب على سلامته ونوره، وتقوى فيه مادة الخير، وتقل نوازع الشر، وتقوى صلته بالله، حيث يُزال ما يجثم على القلب من الران ونكد المعاصي أولًا بأول بفعل المكفرات، فيبقى القلب على درجة عالية من حب الإيمان، وكره
[ ٢ / ٦٨٢ ]
الكفر والفسوق والعصيان، فلا يميل إلى الأفكار الهدامة، ولا تستهويه، ولو تولد في قلبه شيء منها -مما يلقيه الشيطان- أو عرضها عليه شياطين الإنس لكان فيه من النور وداوعي الخير ما يكشفها ويحرقها، وينفر القلب منها.
٢٧- أن العواطف الفاسدة المتمثلة في حب التأله المتوجه إلى غير الله، وحب الشهوات المحرمة كالحرص على المال، وحب الفواحش من الزنى واللواط، وحب المسكرات والمخدرات، والحقد والحسد النابعان من عاطفة الكراهة، هذه العواطف الفاسدة تمثل ثغرة في القلب يتسلل منها الفكر الهدام، أو تميل بصاحبها إلى أسبابه، ويستغلها أعداء المؤمنين للنيل منهم.
٢٨- أن أثر الإيمان في تطهير القلب من داء الحرص على المال والدنيا، يتجلى في دراسة التوحيد وتقوية الاعتقاد بمعرفة أسماء الله، وما تدل عليه من الصفات والأفعال، والتوكل على الله والإيمان بالقدر، كما يتجلى بإقامة الصلاة والمداومة والمحافظة عليها، وأداء الزكاة والنفقات.
٢٩- أن أثر الإيمان في تطهير القلب من محبة الفواحش يتجلى في اعتقاد التوحيد الذي يعمر القلب بمحبة الله والخشية منه، نتيجة لمعرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله، كما يتجلى بأثر الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفي الذكر الذي يحصن العبد من عدوه الشيطان، ويوجب ذكر الله له، وفي الصيام الذي يزيد في تقواه وقربه من مولاه، ويضعف الشهوة ويكسر حدتها.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
٣٠- أن الحسد مرض قلبي يضر بصاحبه فيحمله على رد الحق، وفعل الشر والعدوان، فقد كان الدافع إلى فعل أمهات المعاصي الكبيرة، كما أنه مرض اجتماعي يورث العداوة والبغضاء ويعمل على البغي والعدوان، فهو بذلك ثغرة يتسلل منها شياطين الإنس والجن لتفريق المسلمين وإفساد دينهم ودنياهم، وبث الأفكار الخبيثة بينهم.
٣١- أن أثر الإيمان في تخليص القلوب من داء الحقد والحسد يكمن في إزالة الدوافع لها، بتقوية الإيمان بتعليم الناس أسماء الله وصفاته وأفعاله، وغيرها من حقائق التوحيد، وبفرض الزكاة والحث على الإنفاق، وتحريم الربا، والتحريض على التعاون والتكافل بين المسلمين والأمر بإفشاء السلام وحسن الخلق.
٣٢- أن أثر الإيمان في تطهير القلب هو أثر هادم للوظائف الذميمة القائمة بالقلب، والتي تمثل ثغرات ومداخل في حصنه يتسلط عليه من خلالها الشياطين بوساوسهم وأفكارهم المفسدة.
كما أن أثر الإيمان في تزكية القلوب هو أثر بَانٍ -بإذن الله- للخصال الحميدة في القلب، والتي يتحصن بها ضد أعدائه ومخططاتهم الرامية إلى التسلل إليه وإفساده.
٣٣- أن أثر تزكية القلب بالإيمان في تحصينه ضد الفكر الهدام إنما يكون بما يحصل فيه من الطمأنينة والنور والبصيرة.
٣٤- أن القلق المرضي الذي يقوم بالقلب، له عدة أشكال: منها
[ ٢ / ٦٨٤ ]
قلق القلب وتشوقه للعلم المصحوب بأي نوع من عدم الثقة أو القناعة بالوحي، ومنها القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالعصيان.
وهي تمثل ثغرات تدفع القلب إلى الفكر الهدام.
فالنوع الأول: يدفع الإنسان إلى البحث عن العلم والمعرفة في كتب الفلاسفة أو غيرهم، التي هي مستنقعات للأفكار الضالة.
والنوع الثاني: يدفع صاحبه إلى التخلص منه بوسائل الترفيه التي تحتوي غالبًا على الفكر الهدام، أو تكون مصائد لإيقاع الناس فيه.
٣٥- أن الطمأنينة هي غنى القلب وركونه إلى الإيمان الذي يتحصن به من كل شر فكري يؤثر في عقائده أو عاطفي يخل بمشاعره وإراداته.
٣٦- أن السبب الوحيد لطمأنينة القلوب وشفائها من أمراضها وزوال قلقها ووحشتها هو ذكر الله، وذكر الله بمدلوله الواسع الشامل لكل ما يُذكر بالله، أو يذكر الله به.
ويجمع ذلك تحقيق الإيمان بالعلم بما نزل من الوحي والعمل به، فالإيمان بمختلف شعبه يجلب للقلب الطمأنينة، فإذا تغذى القلب من العلم المستقى من الكتاب والسنة وانصبغت عقائده وعواطفه وانفعالاته وإراداته بذلك اطمأن وسكن، وكلما زاد الإيمان زادت الطمأنينة واستغنى القلب وعظم انفكاكه وابتعاده عن أفكار الجاهلية وأعمالها.
٣٧- أن شعب الإيمان المؤثر في حصول الطمأنينة هي تلك التي
[ ٢ / ٦٨٥ ]
تحقق للقلب ما يصبو إليه ويتطلع لتحصيله من المعلومات والمحبوبات، التي توجد به الخير والصلاح، وتعمل على قوته وثباته واستقراره.
فهو يعرف بالعلم ما يتطلع إليه من معرفة خالقه ومالكه ومدبره باستشعاره لأسماء الله وما تدل عليه من الصفات والأفعال، ويعرف دوره في الحياة والأمر الذي خلق من أجله، ومبدأه وغايته ومصيره، ويتجلى ذلك بمعرفة وتحقيق توحيد الألوهية الذي يحمي النفس من الصراع والتشتت، ويجلب للقلب السكينة، وبالإيمان باليوم الآخر الذي يجعل للحياة معنى وغاية.
٣٨- أن التوكل على الله يلبي للقلب حاجة جُبل عليها، وهي تطلعه إلى ركن شديد يعتمد عليه، ويركن إليه في حصول الخير ودفع الشر، والتوكل حصن يحمي العبد من الفزع أو الاعتماد والركون إلى أعداء الله، فيؤثرون عليه ويجرونه إلى فكرهم الخبيث، أو يستخدمونه لتحقيق هذا الغرض كما يفعلون بالمنافقين الذين قل اعتمادهم على الله، وركنوا إلى أعدائه من اليهود والنصارى وغيرهم.
٣٩- أن العلم والإيمان بالقدر وإدراك العبد للفرق بين الأمر الكوني القدري والأمر الشرعي التكليفي، ومعرفة الاستجابة المناسبة لكل منهما، له أثر عظيم في سكون النفس وطمأنينة القلب واستقراره ورضاه بالله وعن الله، وزوال القلق الدافع إلى الأفكار الهدامة أو مورادها.
٤٠- أن تزكي القلب بالإيمان القائم على الإخلاص والعلم المستمد
[ ٢ / ٦٨٦ ]
من الوحي المطهر يوجد في القلب نورًا وفرقانًا يهدي صاحبه إلى مواطن الخير، ويكشف له عن مواطن الهلكة والضلال، كما يصبح في القلب ملكة وحساسية يتذوق بها ما يلائمه من الخير، فيميل ويسكن إليه، وما ينافره من الشر فيشمئز منه، وينفر عنه وواعظ يذكره بالله، وهذه حصون يتحصن بها القلب ضد أي فكر يستهدف زعزعة عقائده أو حرف عواطفه والميل بإراداته، تقوى هذه الحصون كلما قوي العلم والإيمان، وتضعف بضعفهما.
٤١- بيان الآثار الاجتماعية التي يتحصن بها المجتمع المؤمن الذي التزم شعائر الإيمان وطبقها، وهي: تقوية الرابطة الإيمانية، والتزام الأخلاق الفاضلة، وتطبيق النظم الإسلامية في البيع والشراء، وسائر العلاقات، وإقامة الحدود ووظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها.
وقيام ولي الأمر بدوره في تنفيذ الدين وسياسة الدنيا به وحمايته والدفاع عنه، وإقامة شعيرة الجهاد التي يعز الله بها عباده المؤمنين، ويمكن لهم في الأرض، هذه الأمور جميعًا تمثل أسوارًا وحصونًا يحمي الله بها المجتمع من شرور الجاهلية عمومًا، وفكرها النجس خصوصًا، وإذا اختل أحدها كان ثغرة ينفذ منها شر الجاهلية، وفكرها الخبيث.
٤٢- أن الرابطة الإيمانية هي أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم، وبالتالي فهي أهم وأقوى الحصون التي تحصن المجتمع من كيد أعدائه وأفكارهم المسمومة وتخطيطاتهم الخبيثة.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
٤٣- أن أهم العوامل التي تنمي الرابطة الإيمانية هي:
١- التزام الأخلاق الفاضلة.
٢- أداء المسلمين للحقوق المفروضة لبعضهم على بعض.
٣- التزام النظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
٤- المحافظة على الوحدة الفكرية.
٤٤- أن كلا من هذه العوامل يمثل لبنة في حصن المجتمع، بقيامها يتماسك وتقوى رابطته، وبضعفها أو زوالها يهتز بناء المجتمع ويدب فيه الفساد، ويصبح فيه منافذ للشرور الفكرية وغيرها.
٤٥- أن التزام الأخلاق الفاضلة له أثر في تقارب المؤمنين وصلاحهم وقربهم من الله، فتسود المحبة والألفة ويتعاملون بالمودة والتراحم والتعاون، وتوجد الثقة بينهم، ويحب كل منهم لأخيه ما يحبه لنفسه، فيسود بينهم الرضى والأمن، وتصبح جبهتهم الداخلية قوية متحدة يصعب على العدو اختراقها.
أما التفريط في الأخلاق الفاضلة فله أثر في بعد المسلمين عن ربهم، وتنافر قلوبهم، وضعف الرابطة التي تشدهم، وتنبعث بذور الفرقة والشر بينهم، وبذلك يصبح الجو مهيأً لأعدائهم لنشر الأفكار الخبيثة التي تفرق بينهم وتجرهم إلى المهالك.
٤٦- أن لقيام أفراد المجتمع بالحقوق المفروضة لبعضهم على بعض، أثرًا هامًا في قوة الرابطة الإيمانية التي تربط بينهم، كما تقوي صلة المجتمع
[ ٢ / ٦٨٨ ]
بالله، فيصبح المجتمع قويًا متماسكًا صعبًا على المفسدين.
وإذا ضيعت الحقوق حصل التذمر والخصام والعداوة، وتضعف الرابطة، وتقل ولاية الله لهم، فيصبح حصن المجتمع ضعيفًا يسهل اقتحامه.
كما أن الخلل الناتج عن تضييع تلك الحقوق يضعف ثقة بعض أفراده -ممن قل حظهم من العلم والإيمان- بنظام الإسلام وتعاليمه، فيحملهم ذلك على تطلب البدائل في مستنقعات الشرق أو الغرب، وأفكارهم الفلسفية العفنة.
٤٧- أن الالتزام الدقيق بالنظم الإسلامية ضروري لاستقرار حياة الناس، وإقامة العدل بينهم، وحفظ حقوقهم، وانتشار الأمن والأمل في نفوسهم، فينطلقون في ميادين الحياة بثقة وجد للعمل على إصلاح دينهم ودنياهم، وبذلك يترسخ رباط الأخوة ويستحكم ويتعاونون في سعيهم وكدحهم وهم في أمن من بواعث الشر والنزاع بفضل صلاحية النظام وشموله، ومراعاته لمبادئ الأخلاق والعدل.
٤٨- أن الإخلال بشيء من النظم الإسلامية تحصل من جرائه الفوضى والقلاقل والظلم والعدوان، وينجم النفاق والبلبلة الفكرية، والخلاف السياسي، فتتقطع الأرحام، وتضيع الحقوق.
وإذا زاد التحلل من النظام الإسلامي اختل المجتمع، وشغل الناس بأنفسهم وأهوائهم، وذهلوا عن العبادة والعلم، فيضعف الإيمان وتقل رابطته، ويفشل المسلمون، وتذهب ريحهم، وتُزيغ كثيرًا منهم الأهواء،
[ ٢ / ٦٨٩ ]
وتتخطفهم الفتن القائمة على الأفكار الهدامة.
٤٩- أن النظم الإسلامية كثيرة، وكلها لها أثر في تقوية الرابطة بين المؤمنين وتحصين المجتمع من الشرور الفكرية، إلا أن نظام الجزاء والعقاب، والنظام الاقتصادي الإسلامي لهما أثر بارز هام وخطير في تحقيق ذلك.
٥٠- أن إقامة الحدود والتعزيرات حصن هام يقي المجتمع سائر الشرور وخاصة الأفكار الهدامة، فلا بد من الصرامة والحزم في تطبيقها على من استحقها وفق الضوابط الشرعية.
٥١- أن عقاب المفسدين في الأرض بترويج الفساد الفكري واجب إيقاعه، والصرامة في تنفيذه، سواء كان حدًا يشمله عموم المحاربة لله ولرسوله، وعموم الإفساد في الأرض، أو كان ذلك من باب قياس الأولى؛ لأن إفسادهم أشد وخطرهم أعظم، فكان إنزال العقاب بهم أوجب، أو كان ذلك من باب التعزير، وهذا العقاب يمثل حصنًا مهمًا يحمي به الله المجتمع من الشرور الفكرية ودواعيها.
٥٢- أن النظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على أسس متينة تتمثل في استمداده من العقيدة الإسلامية، ومراعاة الفطرة الإنسانية، وقيامه على الأخلاق الفاضلة، ويسد حاجات الناس المعيشية.
وإذا التزم المسلمون به استقامت حياتهم، وانتظم تعاملهم، وانقطعت بوادر الشر والحقد الحسد والضغينة والبغضاء، وأمن الناس على أرزاقهم ومصالحهم فتتماسك جبهتهم الداخلية.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
٥٣- أن الإخلال بالمعاملات الاقتصادية الشرعية، وتعدي حدود الله فيها يؤدي إلى اختلال المجتمع وتغير القلوب، ويعتب بعضهم على بعض، ثم يحقد ويحسد، فتختل الأسوار الواقية للمجتمع والعاملة على تماسكه وسلامته، فيضطرب النظام الاجتماعي، وتضعف الرابطة الإيمانية، ويقع الشر بين المسلمين، ويصبح المناخ مهيأً لشياطين الإنس والجن للعمل على الإيقاع بينهم، وبث المبادئ الفاسدة والشبهات المزخرفة والمذاهب الاقتصادية المتخبطة.
٥٤- أن المحافظة على الوحدة الفكرية المتمثلة بملء قلوب الناس وإنارتها بالعقائد الحق، والمفاهيم الصحيحة، واستئثار الوحي المطهر بذلك، ينتج عنه تقارب وانسجام في تفكير أفرادها، فهو ضرورة اجتماعية لازمة لاتحاد المسلمين وقوة رباطهم الإيماني.
٥٥- أن تخلف الوحدة الفكرية والتفريط بالمحافظة عليها ينتج عنه أمران خطيران:
الأول: الفراغ الفكري الناتج عن انتشار الجهل وانصراف الناس عن العلم.
الثاني: الفرقة الفكرية أو الفوضى الفكرية، حيث تنتشر المعارف وتقوى حركة التعلم مع اختلاف المشارب الفكرية.
٥٦- أن النتيجة النهائية للفراغ الفكري: هي أن يسود المجتمع خليط من الأفكار الفاسدة، والخرافات والتصورات والعادات الجاهلية،
[ ٢ / ٦٩١ ]
ويصبح المجتمع مفتوح الثغور لكل فكر ضال.
ونتيجة الفوضى الفكرية أشد وأنكى حيث يتوزع أبناء المجتمع المسلم إلى طوائف، كل طائفة خلف فكرة ومبدأ، ويزخرف كل فريق مبدأه، والمجال مفتوح لكل منهم بحجة الحرية الفكرية، ويجد كل فكر خبيث خارجي فئة من المجتمع تسير على مبدئه، فيعمل من خلالها؛ وقد يتمادى الحال تحت هذه الظروف فيتجرأ المفسدون على مدح الكفر والإلحاد والتشكيك والاستهزاء بمسلمات الدين بلا خوف ولا حياء.
وبذلك يتفكك المجتمع ويعادي بعضه بعضًا، وتزول رابطة الإيمان كرباط مشترك لجميع أفراده، ويتعذر مع ذلك الاجتماع على تحكيم نظم الإسلام، فتتعالى الأصوات للاجتماع على العلمانية والديمقراطية، وبذلك يُطعن الإسلام في الصميم، ويُقصى عن حكم الناس، ويحشر في دائرة ضيقة لا تتعدى الحرية الشخصية.
٥٧- أن المحافظة على الجانب الفكري أمر مهم جدًا، وإنما يتم بإخلاص التلقي والتعليم من الوحي الكريم، والاستغناء به في سائر الجوانب العقدية والعبادات والأخلاق والآداب، وذلك أصل قرره الكتاب والسنة وسار عليه السلف الصالح، وكثير من العلماء العاملين، ويتحقق ذلك بإذن الله بالعمل في اتجاهين هامين:
الأول: التطهير.
والثاني: التزكية.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
٥٨- أن تطهير الجانب الفكري في المجتمع الإسلامي من الفكر الدخيل، يتم بخطوات أهمها:
أولًا: عزل المجتمع المسلم عن أفكار وثقافات المجتمعات الجاهلية.
ثانيًا: تطعيم أفراد المجتمع المسلم ضد الأفكار الجاهلية التي يخشى من تسللها إليهم، ويكون ذلك بنقد وتفنيد الأسس والمبادئ التي تقوم عليها تلك الأفكار ودحض حججها وبيان بطلانها، وبالمقابل التركيز على بيان محاسن الإسلام ومزاياه العظام، وتقوية الاعتزاز به.
ثالثًا: تنقية الفكر المنسوب للإسلام في جميع ميادينه من الفكر الدخيل الزائف.
٥٩- أن المحافظة على الوحدة الفكرية تستلزم تزكية أفراد المجتمع بالتوسع في نشر عقائد الإسلام وتعاليمه المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح.
٦٠- أن العمل في جانب التزكية الفكرية إنما يتم بالعناية بالأسرة -وخاصة المرأة- تعليمًا وتربية على العقيدة السليمة والخلق الفاضل، والاعتزاز بالإسلام والحماس به، وتسخير كافة الجهود والوسائل لتحقيق هذا الغرض، وأن تكون رسالة التعليم والتربية والإعلام والمسجد واحدة هي رسالة الإسلام، ووظيفتها هي الدعوة إليه، والدفاع عنه، وإعداد أجيال تطبق الإسلام تطبيقًا سليمًا وتتحمس له، وتنهض به، عالمة عاملة مؤيدة.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
٦١- أن العمل على المحافظة على مقومات المجتمع إنما يكون بالتواصي بالحق، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على ذلك، والصبر والمثابرة في سبيل تحقيقه.
٦٢- أن هذه الشعائر الإيمانية كما أنها لازمة لقوة ومتانة الرابطة الإيمانية، فهي أيضًا حصن يقي المجتمع من الفكر الخبيث، وسائر الشرور.
٦٣- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قضية مصيرية، يترتب عليها احتفاظ الأمة بمسارها الإسلامي، وهي وظيفة اجتماعية يجب أن تحظى بعناية المسلمين أجمعين، ولهذه الشعيرة المباركة أهمية بالغة في مجابهة العاملين على إفساد المجتمع الإسلامي.
٦٤- أن أساليب الأعداء في نشر الأفكار الضالة والشبهات المزخرفة لا يتسنى لها النجاح إلا بغياب أو ضعف وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإقامة هذه الشعيرة ضمانة للمجتمع من التلوث الفكري والأخلاقي، لذلك يجب أن تكون الأمة يقظة مهتمة بإقامته، ومن ذلك الحسبة على وسائل الاتصال العامة من أن يتطرق إليها خلل يسمح للمفسدين بمخاطبة المجتمع أو نشر تلبيساتهم.
٦٥- أن إقامة ولي الأمر -إمام المسلمين- من أهم واجبات الدين، لما يترتب عليه من صلاح الدين والدنيا في المجتمع المسلم.
٦٦- أن الإمام إذا كان عالمًا بمهام ومقاصد الحكم، عازمًا متحمسًا
[ ٢ / ٦٩٤ ]
لتنفيذها، والتزم بتولية الأصلح، والمشاورة لأهل العلم وغيرهم من أهل الرأي والاختصاص، قائمًا على واجب الدفاع عن الدين، ومن ذلك مقاومة الأفكار الهدامة والداعين إليها، فإن ذلك كله يمثل حصنًا يقي الله به المجتمع الإسلامي من شرور الجاهلية الفكرية وغيرها.
٦٧- أن وضع الدولة الإسلامية غير المتمكن الذي تكون فيه دولة الإسلام ضعيفة، قد ظهر عليها الكفار وفاقوها عددًا وعدة، وأصبح وضعهم السياسي والعسكري والاقتصادي أقوى من وضعها وهي في داخلها لم تأخذ بعد بأسباب التمكين من سلامة العقيدة، وإخلاص العبادة واتحاد الكلمة، وإعداد العدة، هذا الوضع يجعلها مكشوفة مهدمة الأسوار أمام الكفار، فإما أن يأخذوها لقمة سائغة فتقع تحت حكم الأعداء مباشرة، فيفرضون عليها الفكر الهدام ويؤسسون له في كل المجالات.
وإما أن تبقى دولة الإسلام مستقلة، ولكن توجه إليها ضغوط مختلفة، فتُكره على انتهاج سياسات اجتماعية، وإعلامية تسمح بنشر الأفكار الضالة والعلاقات المنحرفة وتُكره على سياسات اقتصادية وزراعية وصناعية تضمن عدم نهوض المجتمع المسلم في ميادين الصناعة والقوة والتجارة، فيبقى بعيدًا عن أسباب النصر والتمكين، ومستهلكًا دائمًا لصناعة الكفار.
٦٨- أن الجهاد شعيرة هامة من شعائر الإيمان، أمر الله به المؤمنين وجلعه من أسباب فلاحهم، له آثار هامة في مجال قوة المجتمع المسلم
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وتحصينه ضد الشرور عامة والفكرية خاصة فمن هذه الآثار:
أولًا: أن القتال وسيلة لرفع الذل عن المستضعفين من أهل الإيمان.
ثانيًا: أنه به يدفع شر الكفار الذي يعملون على فتنة الناس عن الحق، والإفساد في الأرض، ومن ذلك نشر الفكر الخبيث.
ثالثًا: أنه بإقامة الجهاد يكون الدين كله لله.
٦٩- أن إقامة الجهاد يتطلب الإعداد الجيد المسبق لكي يؤتي ثماره، وهذا الإعداد يتمثل فيما يأتي:
أولًا: الجهاد الداخلي الذي يتم داخل المجتمع المسلم وبين أفراده، بالدعوة إلى الله، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم؛ والغرض من ذلك مراجعة الدين وإزالة ما حصل فيه من انحرافات ومخالفات في العقائد والعبادات والمعاملات.
ثانيًا: إعداد المستطاع من القوة.
ثالثًا: إعداد الجنود وتدريبهم ومرابطتهم في ثغور البلاد وحدودها.
رابعًا: الإنفاق في سبيل الله على إعداد القوة وتهيئة الجيوش، وما يلزم لذلك.
٧٠- أن إقامة الجهاد في سبيل الله، وتكاتف الأمة في الإعداد له والإنفاق بسخاء على ذلك، يمكن لها في الأرض، ويعلي شأنها، وتكسر شوكة أعدائها، ويأخذهم الرعب والرهبة منها، وبذلك تبقى حصون
[ ٢ / ٦٩٦ ]
الدولة الداخلية آمنة من مكرهم، قوية بقوة الأمة عزيزة بعزتها.
٧١- أن الثمرة الجامعة لهذا البحث هي القناعة بأن العناية بتطبيق الإيمان الصحيح وفق معالمه المبينة في الكتاب والسنة، والتي التزم بها وبينها سلف الأمة الصالح، والتركيز على هذا الأمر، وإعطائه الأولوية في كل السياسات، وفي جميع المجالات، والتزام العلماء والدعاة والقادة على المستوى الفردي، وعلى مستوى الجماعات والدول به، بجعله المحور الذي تبنى عليه المناهج، وتنبثق منه جميع النشاطات، إن العناية بذلك وظهور أثره في المجتمع متمثلًا بسلامة العقيدة، والاستجابة لله ولرسوله ﷺ في جميع الأمور، سوف يحدث تغييرًا جذريًا في حياة الأمة، وفي ولاية الله لها، وفي علاقتها مع بعضها، ووضعها بين الدول.
فتسود الألفة والوحدة على التوحيد بدلًا من الفرقة، وتكون الأمة بعين الله يكلؤها ويسددها ويهديها لأسباب عزتها، ويهيئ لها من كل ضيق مخرجًا، ويصبح لها وزن وثقل وقوة، لا يستهان بها بين الأمم ويمكّن الله لها في الأرض، يقوى ذلك ويزيد كلما زادت العناية بالإيمان علمًا وعملًا، ويضعف بضعفه.
وفي الختام أحمد الله عودًا على بدء، فالحمد لله أولًا وآخرًا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٦٩٧ ]