كل إنسان يحمل في قلبه عقائد ومفاهيم تخصه عن مختلف القضايا التي يتوجه إليها اهتمام الناس، استقى هذه المعلومات من مصادر مختلفة أهمها: كتب ورجال ملته، وعن طريق والديه ومجتمعه، كما أن للقصص والأساطير التي غالبًا ما تنتشر بين الناس أثرًا في تكوين ذلك، وفي وقتنا الحاضر تحتل وسائل الإعلام مكانة عظيمة كموجه ومؤثر على الفكر، وتكوين العقائد والمفاهيم.
وعلى هذا فالخطوة الأولى التي يعتني بها الإسلام هي تنقية وتطهير قلوب معتنقيه، من العقائد والظنون السيئة الموروثة لديهم.
ويتم ذلك بتعليمهم الحق، وبيان الباطل ودحضه في جميع المطالب الأساسية التي تشتاق قلوب العباد لمعرفتها، والتي لا بد منها لحصول الهداية للبشر، كمعرفة الخالق ﵎، وأصل الإنسان، ودوره في الحياة، والحكمة من خلقه، ومصيره وما يكون بعد الموت، وحق خالقه عليه، وغير ذلك من الأمور الغيبية: كالملائكة، والكتب المنزلة، ورسل
[ ١ / ٣٥١ ]
الله إلى البشر، واليوم الآخر، والقدر.
ومن أجل ترسيخ هذه المفاهيم المصلحة للقلب، لا بد من تطهيره من ضدها، قال ابن القيم ﵀:"قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان، فكذلك في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان موضع القلب ممتلئًا بالباطل اعتقادًا ومحبة، لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع" ١.
وقد أكد سبحانه هذا المعنى بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] .
فقدم سبحانه الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تنبيهًا إلى وجوب تخلية القلب من الضد، فلا يصح إيمان بالله وإيمان بشيء من الطواغيت، كما لا يكفي براءة من الطاغوت بدون إيمان بالله، فلا بد من تطهير تصاحبه تزكية.
قال ابن جرير ﵀ في تفسير الآية: "فتأويل الكلام إذًا: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله فيكفر به ويؤمن بالله، يقول: ويصدق بالله أنه إله وربه ومعبوده، فقد استمسك بالعروة الوثقى، يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله
_________________
(١) ١ الفوائد لابن القيم ص٤٣، دار النفائس، بيروت ط السابعة ١٤٠٦هـ.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وعقابه" ١.
وهكذا في جميع المطالب الإلهية فإنه يجب على المسلم أن يتبرأ من الباطل فور انكشافه له، ويلتزم الحق.
والمؤثر الأهم في تحقيق هذا المطلب هو العلم المستقى من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وقد تقدم أن العلم هو المؤسس والمغذي -بإذن الله- للعقائد والعواطف، وعلى هذا فلا يتصور إيمان بلا علم، ذلك أن الإيمان هو علم صدقه القلب وقبله وانقاد لموجبه، إلا أنه قد يوجد علم بلا إيمان.
وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أثر العلم في إخراج الناس من ظلمات الضلال وتطهيرهم منها في مواضع عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] .
فدلت الآية على أن خروجهم من الضلال المبين، كان ببعثه الرسول الكريم ﷺ الذي يعلمهم الكتاب والحكمة، وبقدر حظهم من الكتاب والسنة يكون انفصالهم عن الضلال، والعكس صحيح، أي أنهم كلما ابتعدوا عن الكتاب والحكمة رجعوا إلى الضلال المبين بقدر ذلك الابتعاد. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٣/١٩.
[ ١ / ٣٥٣ ]
النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١] .
فإرسال الرسول ﷺ بهذا الكتاب العظيم المشتمل على العلم الصحيح والطريق القويم، إنما هو لإخراجهم من الكفر ودواعيه، وإدخالهم في الإيمان وشرائعه، وأعظم ظلمات الكفر هي عقائده الباطلة النجسة، والظنون السيئة القائمة في قلوب أهله.
وقد أحكم الله آياته وبينها بيانًا واضحًا بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، والخطاب الواضح، لجلاء الحق وكشف زيف الباطل.
قال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٩] .
وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦] .
فدلت هذه الآية على أمور هامة في مجال التطهير منها:
١- أن الذين ينتفعون بالعلم الذي جاء في كتاب الله وعلى لسان رسوله ﷺ فيحصل لهم أثره في التطهير والتزكية، هم المؤمنون الذين اتبعوا رضوان الله، فهم الذين تحقق لهم نفعه، كما قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] .
[ ١ / ٣٥٤ ]
أما سائر الناس، فإن الوحي هو سبيل هدايتهم، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] .
لكن تحقق الهداية يتم للمتقين الذين اتبعوا رضوان الله.
٢- دلت الآية على أن العلم المستقى من الوحي المطهر، هو السبب الأهم في هداية المؤمنين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، دل على ذلك قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ ﴾ الآية، فبالقرآن يهدي الله عباده المؤمنين، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراطه المستقيم.
٣- أن تأثير العلم فيمن اتبع رضوان الله شامل لتطهيرهم بإخراجهم من الظلمات، وإبعادهم عن الضلالات، كما هو شامل لإدخالهم في النور بتزكيتهم وهدايتهم إلى سبل السلام، والصراط المستقيم.
فالنور والكتاب مؤثر في التطهير والتزكية، فالله تعالى عندما يذكر إخراجهم من الظلمات يقرن به إدخالهم في النور، مما يدل على أن التطهير من الظلمات لا يكفي بدون الدخول في النور، كما أن التزكية لا تتم بدون التطهير، كما دلت الآية على أن الطريق إليهما يكون بالعلم المستمد من الكتاب والسنة والعمل به.
وبهذا يتبين أن بداية الاهتداء تكون بتطهير القلب من العقائد الفاسدة، والظنون السيئة، وما يتبع ذلك من النيّات والعواطف، وتبين أن
[ ١ / ٣٥٥ ]
العلم هو المؤثر الأهم لتحقيق هذا الغرض.
والعلم الذي يتم به حصول المراد، هو علم التوحيد المتعلق بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وحقه على عباده، والذي يتحصل عليه المسلم بدراسة ما ورد في القرآن الكريم وأحاديث خاتم المرسلين ﷺ، وفق منهج السلف الصالح، بعيدًا عن مناهج المتكلمين، أو الفلاسفة الضالين، أو المتصوفة المبتدعين.
وبالرجوع إلى القرآن العظيم، وسنة النبي ﷺ وواقع دعوته، نجد أنها تولي أهمية بالغة وعناية خاصة بإزالة ما علق في قلوب الناس من مفاهيم وعقائد وظنون خاطئة، وذلك بالتركيز على تجلية أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحكمته وقدره وحقه على عباده، والرد على من أثبت خلاف الحق في ذلك، وبهذه التجلية والبيان الواضح والرد الحاسم ينفك المسلم عن الطاغوت وكل ما يمت إليه بصلة، ويستمسك بالإيمان وكل ما يتصل به.
والخلل في معرفة الخالق ﵎، أو حكمته وقدره، أو حقه على عباده، يُوجِد سوء ظن بالله يتناسب مع هذا الخلل، سواء كان بجهل تلك الأسماء وما تدل عليه من الصفات، أو جهل بعض تفاصيل القدر وتوحيد الألوهية، أو كان بفهمها فهمًا يخالف الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة.
والظن السيئ دافع إلى الفعل السيئ، فقطع ذلك الظن قطع لإرادات
[ ١ / ٣٥٦ ]
الشر وخواطره من القلب، والتي ينفذ من خلالها الشيطان لإضلال الإنسان.
وكل جهل أو ضلال في معرفة اسم من أسماء الله، وما يتضمن من الصفة، يتولد عنه ظن سيئ ينعكس أثره على سلوك الفرد، ومن أمثلة ذلك ما قصه الله علينا من حال فريق من الناس حصل في قلوبهم خلل في إثبات صفة العلم لله تعالى، تولد عنه ظن سيئ وعمل خبيث.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢، ٢٣] .
قال ابن جرير ﵀ في تأويل هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: وهذا الذي كان منكم في الدنيا من ظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعلمون من قبائح أعمالكم ومساويها، وهو ظنكم الذي ظننتم بربكم في الدنيا أرداكم، يعني أهلككم" ١.
فدلت الآية على أن الظن السيء ناتج عن خلل في معرفة توحيد الأسماء والصفات، وأثر ذلك على السلوك.
كما دلت على أمر آخر له صلة وثيقة بهذا البحث، هو أن الظن
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٢٤/١٠٩.
[ ١ / ٣٥٧ ]
السيء يتسبب في هلاك صاحبه، فهو ثغرة في قلبه يتسلل منها الشياطين لإفساد عبوديته وتوحيده، وتطهير القلب من هذه الظنون الفاسدة المردية لازم لبقاء حصن القلب منيعًا صامدًا.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] .
قال ابن القيم ﵀ حول هذه الآية: " وأخبر أنّ من لم يصبه ذلك النعاس، فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، وإنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.
وقد فُسِّر هذا الظن الذي لا يليق بالله، بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ويظهر على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به ﷾ في سورة الفتح حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ
[ ١ / ٣٥٨ ]
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦] " ١.
ثم بين -﵀- علاقة الظن السيء بالضلال في توحيد الأسماء والصفات، فقال: "وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، وخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والألوهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه "٢، ثم قال: "وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته "٣.
وإذا كان الانحراف في توحيد الأسماء والصفات متولدًا عن ظن سيء برب العالمين، فكذلك الانحراف في توحيد الألوهية متولد عن ظن
_________________
(١) ١ زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية ٣/٢٢٨، مؤسسة الرسالة، بيروت ط: ٨، ١٤٠٥هـ. ٢ المصدر السابق ص٢٢٩. ٣ نفس المصدر ٢٢٩، ٢٣٠. وقد بسط ابن القيم رحمه الكلام على هذا الموضوع من ص٢٢٨-٢٣٧ وذكر فوائد جليلة وجملة من الظنون الفاسدة الناتجة عن المعتقدات الباطلة والجهل والضلال في معرفة أسماء الله وصفاته، وقدره وحكمته، تركت إيراد ذلك لأن الغرض من هذا البحث هو معرفة الأثر والمؤثر، والله الموفق.
[ ١ / ٣٥٩ ]
سيء قائم في قلوب المنحرفين.
أشار إلى ذلك ربنا -﵎- في معرض ذكره مجادلة إبراهيم لقومه حيث قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لأَبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٧] .
قال ابن القيم ﵀ مبينًا العلاقة بين الظن السيء الناتج عن تعطيل أسماء الله، وبين الشرك في عبادة الله: "فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء لخصمائه المشركين: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له أندادًا١؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره٢ "٣.
_________________
(١) ١ هذا التفسير هو المشهور الذي عليه معظم المفسرين. انظر: جامع البيان لابن جرير ٢٣/٧٠. ٢ ذكر هذا التفسير أيضًا: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٥/٩٢، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ٤/٥١٤.والشيخ عبد الرحمن السعدي في تيسير العزيز الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٦/٣٨٦. ٣ إغاثة اللهفان ١/١٠١.
[ ١ / ٣٦٠ ]
فالله سبحانه في هذا السياق قابل بين سلامة قلب إمام الموحدين-الذي كان به موحدًا- وبين ظن قومه المشركين برب العالمين الذي أوقعهم في الشرك، مما يدل على أهمية تطهير القلب وسلامته من العقائد الباطلة والظنون الفاسدة، ليتزكى بعد ذلك بالتوحيد.
وعلى هذا فالضلال في معرفة توحيد الأسماء والصفات، هو السبب في تولد الظنون السيئة الباعثة على الوقوع في الشرك والسلوك المنحرف.
وإذا تبين أهمية التطهير ووجوب البدء به، وأنّ ذلك مطلوب في كل زمان ومن كل إنسان لشدة الضلال وتنوعه وانتشاره في كافة أجناس البشر، وقت البعثة النبوية وبعدها، تبين بوضوح الحكمةُ من العناية العظيمة بمسائل الإيمان، وتكرارها في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وأحاديث المصطفى ﷺ، فمعرفة الله هي أساس الهداية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله١.
والهداية بمعناها الأشمل الذي يعني الرشد والسداد في كل نشاط إنساني، فمرجع ذلك كله إلى معرفة الله معرفة صحيحة، والعمل بموجب تلك المعرفة، وكلما كان في معرفة الله خلل عند الفرد أو الجماعة، كان في سلوكها وهدايتها خلل بقدره، فهناك تلازم وثيق بين الاعتقاد وبين السلوك البشري، فصلاح وهداية النشاط البشري عائد إلى صلاح
_________________
(١) ١ انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص٥.
[ ١ / ٣٦١ ]
الاعتقاد وفساده راجع إلى فساده.
والحقيقة المرة التي يجب على كل مخلص يهتم بأمر المسلمين أن يدركها ويعترف بها، هي أن المنتسبين إلى الإسلام اليوم بأشد الحاجة إلى عملية التطهير، وذلك أن عقائد كثير من المسلمين وعباداتهم قد شابتها الأكدار واستحكمت فيها الانحرافات، وابتعدوا على مستويات مختلفة عما كان عليه النبي ﷺ وصحابته الكرام، في جميع قضايا الدين، وأشد ذلك خطرًا الانحراف فيما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية والقدر، وسائر مباحث العقيدة الإسلامية.
فقد أهملت أهم قضية قررها القرآن ودعا إليها النبي ﷺ ألا وهي تطهير الاعتقاد، وتأسيس التوحيد في قلوب العباد على أساس معرفة الله بأسمائه وصفاته، وإخراج ما يضاد ذلك من العقائد الباطلة والظنون السيئة، ثم عبادته تعالى وحده عن علم به وبحقه، فلا يصرف شيء مما تفرد به سبحانه من الأفعال والصفات لغيره، ولا يُحرف شيء مما وصف به نفسه ﵎ إلى غير مراده، كما لا يُقصد بشيء مما يجب إفراده به من الطاعات أي مخلوق كان.
فقلّ أن يوجد في مناهج الدعاة والجماعات المعاصرة الدعوة إلى تصفية الفكر الإسلامي من المناهج المبتدعة، والعلوم الزائفة الدخيلة، وإلى تنقية القلوب من العقائد الباطلة والظنون السيئة، وإلى ترك العبادات المبتدعة الناتجة عن تلك المناهج، وإلى إزالة مظاهر الانحراف والشرك من
[ ١ / ٣٦٢ ]
المساجد والمشاهد التي كثرت في بلاد المسلمين.
إلا أنّ الساحة الإسلامية لم تخل -والحمد لله- من القائمين بدين الله الداعين إلى ما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وسلف الأمة الصالح، مبتدئين بالدعوة إلى تطهير الاعتقاد، وتطهير الفكر والسلوك، وكل ما أدى إليه أو نتج عنه، ملتزمين بأخذ العلوم من منابعها الصافية، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وفهم السلف الصالح مقتفين أثرهم في العبادات والسلوك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
وقد بارك الله في جهودهم -وله الحمد والمنة- فلهم علماؤهم وكتبهم المنشورة، ومجلاتهم السائرة، ودعاتهم الظاهرون، ومدارسهم وجامعاتهم المعروفة، ومحافلهم العامرة، وهم بخير وإلى خير -إن شاء الله.
وخلاصة هذا المبحث: إنّ الأثر الأول للإيمان هو تطهير القلوب من الاعتقادات الباطلة، وما ينتج عنها من الظنون الرديّة المُرْدِية.
وإنّ ذلك يكون بالعلم بالله وبحقه ودراسة ذلك من خلال البيان الوارد في الكتاب والسنة، وفق منهج السلف الصالح.
وإنّ المسلمين اليوم بأشد الحاجة إلى هذا الأثر، وإنّه يكون بتبني العلماء العاملين والدعاة على مستوى الأفراد والجماعات المنهج السليم وتقديم هذا الأمر والعناية به، ونبذ ما خالف الحق من المبتدعات في كل مجال، وعلى كل مستوى١، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) ١ سيأتي المزيد من البيان لهذه النقطة في مبحث "الوحدة الفكرية" في الفصل الأول من الباب الثالث.
[ ١ / ٣٦٣ ]