إن المجتمع المسلم يضم أفرادًا مختلفين من حيث تحقيقهم للإيمان الذي كلفهم الله به، فمنهم من ظلم نفسه بترك شيء مما أوجبه الله عليه، أو بفعل بعض ما حرم عليه، ومنهم من التزم بالإيمان الواجب فاعلًا الواجبات تاركًا المحرمات، مبادرًا إلى التوبة عند الخطيئات.
ومنهم من زاد على ذلك بالمسارعة في الخيرات.
وعلى هذا فهم ثلاثة أقسام على وجه الإجمال، كل قسم في مرتبة، وإن كان أهل كل مرتبة يتفاوتون فيما بينهم.
وأساس تقسيم المؤمنين على هذه المراتب، هو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] .
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي الأقسام الثلاثة الواردة في الآية اصطفاهم الله واختارهم للإيمان والتوحيد، فهم مؤمنو هذه الأمة الذين اشتركوا في أصل الإيمان، ولم يشركوا بالله شيئًا، لكن اختلفوا وتفاوتوا في تكميل الإيمان.
وقد أورد ابن جرير أقوال من قال بذلك من السلف، ورجح هذا
[ ١ / ١٨٩ ]
القول١، كما رجحه ابن كثير وغيرهما من المفسرين٢.
قال الشيخ عبد الرحمن٣ السعدي: "اشترك هؤلاء الثلاثة في أصل الإيمان، وفي اختيار الله لهم من بين الخليقة، وفي أنه منّ عليهم بالكتاب، وفي دخول الجنة.
وافترقوا في تكميل مراتب الإيمان، وفي مقدار الاصطفاء من الله، وميراث الكتاب، وفي منازل الجنة ودرجاتها بحسب أوصافهم" ٤.
وقبل أن أتكلم على مراتب أهل الإيمان، أتطرق باختصار إلى بيان ضابط أصل الإيمان الذي من جاء به دخل في زمرة المصطفين.
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢٢/١٣٣، ١٣٤، ١٣٦. ٢ تفسير القرآن العظيم ٦/٥٣٣. ٣ الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي التميمي، ألف تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، والدرة البهية في شرح القصيدة التائية، وتوضيح الكافية الشافية، وغيرها توفي سنة ١٣٧٦هـ. انظر: الأعلام ٣/٣٤٠ وعلماء نجد للبسام ٢/٤٢٢. ٤ فوائد قرآنية، عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص٦٠، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، بيروت، ط: الأولى ١٣٨٩هـ.
[ ١ / ١٩٠ ]