والمقصود بهذا المبحث بيان أن على الإمام واجبًا عظيمًا في حماية دين الأمة وصيانته، وأن ذلك من أهم مقاصد الحكم، ومن ذلك مكافحة الأفكار الهدامة وقمع مروجيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فالمقصود الواجب في الولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"١.
وقال الماوردي٢: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"٣.
وعلى ما تقدم يتبين أن وظائف الخلافة، ومقاصد الحكم تجمل في
_________________
(١) ١ السياسة الشرعية ص٣٩. ٢ القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي، صنف الحاوي، والأحكام السلطانية، والنكت، وأدب الدنيا والدين، توفي سنة ٤٥٠هـ في بغداد. انظر: وفيات الأعيان ٣/٢٨٢، وسير أعلام النبلاء ١٨/٦٤. ٣ الأحكام السلطانية، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، ص٥، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة، ط: الأولى ١٣٨٦هـ.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
مقصدين هامين:
الأول: تنفيذ الدين بإقامة فرائضه وشرائعه، وبسط أحكامه وحدوده في كافة المجالات وسياسة الدنيا به.
الثاني: الدفاع عنه وحراسته، من الأفكار المخالفة، والأهواء الجامحة والبدع المحدثة التي هي أساس الفساد، وبواعث التنازع والفرقة.
ولكل منهما دور في حصانة المسلم وحمايته من الأفكار الهدامة وسائر الشرور، ففي جانب تنفيذ الدين تقع المسئولية الأولى على ولي الأمر، فلا يجوز له أن يعدل عن شيء من الشريعة في أي أمر من الأمور، وعليه أن يشرف بنفسه على تنفيذ النظم الإسلامية، ويجتهد في اختيار القضاة ونحوهم، وينشئ من الوزارات والدوائر ما يراه ضروريًا لتسيير مصالح الناس، ويولي عليها الثقات الأقوياء الأمناء، ويحرص على إقامة العدل ورفع الظلم، وأن يكون الناس سواسية في الحقوق، وبذلك يكون المجتمع قد أسس على تقوى من الله، وقاعدته قوية متينة.
حراسة الدين والدفاع عنه:
لا شك أن إقامة المجتمع على شريعة الإسلام وأسس التقوى هي الخطوة الأولى في بناء الدولة الإسلامية، وهي خطوة هامة لسلامتها والمحافظة عليها، إلا أن الأهم من ذلك هو استدامته والاستقامة عليه، وذلك يتجلى في واجب حراسة الدين والدفاع عنه.
والمقصود بحفظ الدين والدفاع عنه، بينه الماوردي بقوله: "حفظ
[ ٢ / ٦٥٠ ]
الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من خلل، وأمة ممنوعة من زلل"١.
وبين هذا الأمر الدكتور عبد الكريم زيدان فقال: "وحفظ الإسلام يعني إبقاء حقائقه ومعانيه، ونشرها بين الناس، كما بلغها رسول الله ﷺ، وسار عليها صحابته الكرام، ونقلوها إلى الناس بعده، وعلى هذا لا يجوز أي تبديل أو تحريف في هذه الحقائق والمعاني، لأن التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله، ولا يجوز التردد أبدًا في منع التبديل والتحريف بحجة حق الفرد في إبداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد لأن الفرد إن كان مسلمًا فليس من حقه أن يبدل دين الله، وإذا اختار لنفسه الضلالة ولعقيدته الفساد، فليس من حقه أبدًا أن يضل الآخرين أو يفسد عقائدهم، وإن كان الفرد غير مسلم فليس من حقه أبدًا أن يخرج على نظام دار الإسلام، ويشوه حقائق الإسلام، وإلا كان ناقضًا لعقد الذمة، ومع هذا فقد يقع المسلم في زيغ أو شبهة أو خطأ نتيجة فهم سقيم أو تضليل خبيث، فيجب على ولي الأمر -الخليفة، أو نائبه- أن يعمل على كشف الشبهة وإظهار الصواب بالدليل والبرهان، حتى يظهر الحق وتقوم الحجة، فإن أصر المبطل على باطله، وسعى إلى
_________________
(١) ١ الماوردي الأحكام السلطانية ص١٥.
[ ٢ / ٦٥١ ]
نشره في الناس، منع من ذلك وأقيم عليه ما يوجبه الشرع"١.
وقال أيضًا: "ومنها إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع، كما يقضي به الإسلام، إذ لا يمكن الادعاء بحفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إنكار ولا إزالة، مع توفر القدرة على ذلك"٢.
فواجب الإمام إذًا أن يشرف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعين في كل بلاد من خيار أهله الأمناء الأقوياء الأتقياء من يقوم بهذه المهمة، ويكون لهم خير معين ونصير، فإن ذلك من أهم وظائف الأمة وأئمتها إذا مكنوا في الأرض.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] .
ومن أهم الركائز التي تتحتم على ولي الأمر لتحقيق هذا المقصد -وهو حراسة الدين وحفظه- قطع صلة المجتمع المسلم بالمجتمعات الكافرة والفاسقة، ومنع بث أفكارهم وعاداتهم وما يمت إليهم بصلة بين المسلمين.
والحق أن الإسلام يواجه في هذا العصر أعظم خطر فكري، ليس بكثر الضلال وتنوع مشاربه، ولكن بوجود الوسائل الناقلة له التي تبث في
_________________
(١) ١ أصول الدعوة ص٢٢٢. ٢ نفس المصدر ص٢٢٣.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وقت واحد، المادة الواحدة في ملايين البيوت.
لذلك كان العزل الفكري وتحصين الأمة الإسلامية من موارد الضلال، وعفونات الجاهلية الفكرية، من أهم الواجبات المناطة بولاة الأمر من السلاطين والعلماء وغيرهم، وخاصة في هذا الوقت الذي اشتدت فيه الهجمة وأثرت أثرًا خطيرًا في أفكار المسلمين وسلوكهم، فواجب ترشيد وسائل الإعلام، وقطع المواد المفسدة ومحاربة الوسائل الباثة لها.
ومن ذلك أيضًا منع اختلاط الكفار بالمسلمين من خلال تسهيل سفر المسلم إلى بلاد الكفر والفسوق بلا حاجة شرعية، أو استقدامهم إلى بلاد المسلمين دون قيود تضمن التزام غير المسلم بما جاء من أجله، وعدم بث باطله، واحترام شعائر الإسلام، وعدم المجاهرة بالفسق.
وفي الجملة فإن واجب ولاة الأمر والمحتسبين مكافحة كل منكر يطرأ في المجتمع، سواء كان سلوكيًا أو فكريًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فأما الغش والتدليس في الديانات، فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال: مثل إظهار المكاء والتصدية١ في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمة المسلمين
_________________
(١) ١ المكاء: هو الصفير، والتصدية: التصفيق. جامع البيان لابن جرير الطبري ٩/٢٤٠.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
ومشايخهم، وولاة أمورهم: المشهورين عند عموم الأمة بالخير: ومثل التكذيب بأحاديث النبي ﷺ التي تلقاها أهل العلم بالقبول، ومثل رواية الأحاديث الموضوعة على رسول الله ﷺ، ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله، ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي ﷺ، ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره، ومثل إظهار الخزعبلات١ السحرية والشعبذية٢ الطبيعية وغيرها، التي يضاهي بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا باب واسع يطول وصفه.
فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك، وعقوبته عليها إذا لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك، أما المحتسب فعليه أن يُعزر من أظهر ذلك قولًا أو فعلًا، ويمنع الاجتماع في مظان التهم"٣.
_________________
(١) ١ الخزعبلات: الأفعال والأحاديث الباطلة. انظر: معجم متن اللغة، الشيخ أحمد رضا ٢/٢٦٨ دار مكتبة الحياة، بيروت ١٣٧٨هـ. ٢ الشعبذة أو الشعوذة: خفة اليد ومخاريق وأخذ كالسحر يرى الشيء بغير ما هو عليه في رأي العين، المصدر السابق ٣/٣٢٩. ٣ مجموع الفتاوى ٢٨/ ١٠٦.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
فالواجب الأول على أئمة الأمة من الأمراء والحكام والعلماء، هو حفظ أصول الدين، وهو المقصود الأعظم من السلطان، فيجب القيام على المبتدع في الدين بما يكفه عن ضلال بدعته من ناحية الولاة وغيرهم١. والقيام على المبتدعة ودعاة الضلال يختلف باختلاف حال كل منهم.
قال الإمام الشاطبي٢ ﵀: "إن القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو الإبعاد أو الإنكار، هو بحسب حال البدعة في نفسها من كونها عظيمة المفسدة في الدين أم لا، وكون صاحبها مشتهرًا بها أوْ لا، وداعيًا إليها أوْ لا، ومستظهرًا بالاتباع وخارجًا عن الناس أوْ لا، وكونه عاملًا بها على جهة الجهل أوْ لا.
وكل من هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه، إذ لم يأت في الشرع في البدعة حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من
_________________
(١) ١ انظر: بدائع السلك في طبائع الملك، لأبي عبد الله بن الأزرق ٢/١٢٧، تحقيق: علي سامي النشار، وزارة الثقافة العراقية ط ١، ١٩٧٨. ٢ إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي أبو إسحاق من مؤلفاته: الموافقات في أصول الأحكام، والاعتصام، وعنوان التعريف بأسرار التكليف، وغيرها، توفي سنة ٧٩٠هـ. انظر: معجم المؤلفين عمر كحاله ١/١١٨، ومعجم الأعلام لبسام عبد الوهاب ص٢٤.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
المعاصي، كالسرقة والحرابة والقتل والقذف والجراح والخمر وغير ذلك، لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل"١.
ثم ذكر بعد ذلك أنواع العقوبات٢ التي ذكرها العلماء لأهل البدع كل حسب بدعته كما تقدم تفصيله، وسوف أذكر هذه العقوبات بشيء من التصرف، وأقسمها إلى ثلاثة مجموعات: ما يتعلق بالإمام، وما يتعلق بالعلماء والقضاة، وما يتعلق بالمجتمع.
أولًا: العقوبات التي يتولى الإمام إنزالها بأهل البدع.
١- القتال: إذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم.
٢- القتل: لمن أظهر بدعته واستتيب ولم يرجع.
٣- الضرب.
٤- التغريب.
٥- السجن.
٦- عدم استعمالهم ولاة أو قضاة، أو أئمة وخطباء في المساجد، أو في مجال التدريس ونحوها.
ثانيًا: العقوبات التي يتولى القيام عليها القضاة والعلماء.
١- تكفير من دل الدليل على كفره.
_________________
(١) ١ الاعتصام للإمام أبي إسحاق، إبراهيم بن موسى الشاطبي ١/١٧٥ دار المعرفة، لبنان، ط: بدون. ٢ نفس المصدر ١٧٥-١٧٧.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
٢- الحكم بأنه لا يرثهم أقاربهم من المسلمين، ولا يرثون أحدًا منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين.
٣- الأمر بأن لا يناكحوا.
٤- تجريحهم على الجملة، فلا تقبل شهادتهم ولا روايتهم.
ثالثًا: العقوبات الاجتماعية.
١-الهجران وترك الكلام والسلام.
٢- ترك عيادة مرضاهم.
٣- ترك شهود جنائزهم.
٤- عدم مناكحتهم أو مشاركتهم في البيوع ونحو ذلك.
ويسبق هذه العقوبات جميعًا الإنكار عليه باللسان ومجادلته وإقامة الحجة عليه، فإن رجع وإلا عوقب بما يتناسب مع مخالفته.
ولا شك أن هذه العقوبات إذا أنزلت بمن يستحقها فسوف تجعل صاحب البدعة منبوذًا معزولًا عن المجتمع، وبذلك ينحسر شره وتخمد ناره.
وإذا أُخل بذلك، فتقاعس الولاة عن إيقاع العقوبات بالمبتدعين والمفسدين وخاصة أهل الأهواء والأفكار المنحرفة، وتغاضوا عنهم أو قربوهم واستعملوهم في بعض الأعمال، كذلك إذا أخل العلماء والقضاة بواجبهم في مجابهة أولئك، وبيان حالهم ومواصاة ولاة الأمر بتأديبهم،
[ ٢ / ٦٥٧ ]
ومثله إذا أخل أفراد المجتمع بما عليهم، ولم يهجروا المبتدعين والفساق، وخالطوهم واحترموهم، واختل الميزان الذي يقاس به الناس، فأصبح الدنيا ومتعها بدل التقوى والسنة، إذا حصل ذلك انهدم السور القريب، والمعقل الأخير، وأصبح أفراد المجتمع -إلا من عصم الله- عرضة للشبهات المشككة، والشهوات المهلكة، فينجم فيه النفاق، ويصول ويجول فيه أهل الضلال، والعصمة في ذلك -بعد الله تعالى- قيام السلطان بما عليه، فإنه إن استقام أقام من دونه، وإن مال كان من دونه أسرع وأقرب إلى الميلان.
وخلاصة هذا المبحث: أن قيام ولاة الأمر بتنفيذ الدين وإقامة نظامه وشرائعه وأحكامه وحدوده والصرامة في ذلك، وبالمقابل الدفاع عن الدين وحراسته من كيد المفسدين في الداخل والخارج، والضرب على أيدي المبتدعين والمفسدين، فإن ذلك حصن قوي يحمي به الله المجتمع المسلم من الأفكار المنحرفة، وسائر الشرور.
[ ٢ / ٦٥٨ ]