والمراد محبة العبادة، التي تجمع بين الحب مع الذل١.
وهذه العاطفة متعلقة بالاعتقاد كما تقدم، فإن من اعتقد في ذات أنها تنفعه، وتجلب له الخير أو تدفع عنه الشر، أحبها، كما أنه يكره الشر والباطل وأهله.
وعلى هذا فالطريق إلى تطهير القلب منها هو تطهيره من العقائد الفاسدة، والظنون السيئة، ويكون ذلك بالعلم المستقى من الوحي، كما سبق تقريره في المبحث الأول من هذا الباب.
وقد أشار الله تعالى إلى العلاقة بين الحب والاعتقاد في سورة البقرة فبين سبحانه أولًا أنه المتفرد بالذات المقدسة، التي لا تساميها ذات أخرى لتفرده بصفات الكمال، والأفعال الحميدة التي لا نقص فيها، كما بين أنه المتفرد وحده بأنه الإله الحق المستحق للعبادة، فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] .
فحقه سبحانه لهذا أن يُحَب ويُعبد ولا يشرَك به، ومع ذلك أقام
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/٧٠.
[ ١ / ٣٨١ ]
الأدلة القاطعة المؤيدة لما تقدم، والمبينة لنعمه وأفضاله على عباده التي سخرها لهم على الأرض، والتي هي دافع آخر لمحبته وحده، فهو محبوب لذاته الكريمة المقدسة، ومحبوب لأنه المنعم المتفضل، فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] .
ومع أن هذا العلم الواصل لهم عن طريق رسله بأنه ربهم وإلههم، لا رب لهم سواه، وهذه الآيات البينات الشاهدات على ذلك، مما يستدعي محبته وحده، مع ذلك كله يوجَد من يحب غيره لعدم قيام موجب ذلك العلم بقلبه، أما المؤمنون الذين شربت قلوبهم موجب هذا العلم، فإنهم أشد حبًا لله، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] .
وقد ذكّر الله عباده في كثير من الآيات بنعمه وآلائه عليهم، وكرر ذلك في كثير من السور، مع بيان الأدلة والبراهين على تفرده بذلك، وعجز غيره عن إحداث شيء من تلك النعم لو حبسها الله عن عباده.
[ ١ / ٣٨٢ ]
والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن يستثير عواطفهم لمحبته والتعلق به سبحانه، وتوحيده والانقياد لطاعته.
فإذا آمن العبد بالله واستشعر قلبه معاني أسماء الله وصفاته وتفرده بالربوبية، وعلم أن ما به من نعمة فمن الله وحده وما يرجو من خير أو دفع شر فبيده وحده، وفقه قلبه تلك العلوم التي تغرسها الآيات البينات في قلوب العباد، عندها يذعن القلب لله بالحب والخوف، فيتوجه لطاعته يدفعه الحب والأمل والرجاء، ويحجم عن معصيته يردعه الخوف.
وبما أن محبة الله هي أساس التوحيد والعبودية، فكذلك محبة غير الله حب العبادة، هي أساس الضلال والكفر، وعلى ذلك فالتزام الإيمان قولًا وعملًا واعتقادًا كفيل بتطهير القلب من محبة غير الله، أو ما يمتّ إليه بصلة في أي ناحية من النواحي.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧، ٨] .
ومحبة معبود غير الله تابعة للاعتقادات الفاسدة، وزوالها يكون بزوالها، وقد تقدم أن زوال العقائد الباطلة إنما يكون بالعلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ الذي كشف الباطل وأهله على مختلف أحوالهم، واستبان
[ ١ / ٣٨٣ ]
بذلك سبيل المجرمين، فإذا نسفت العقائد الفاسدة، زال ما يترتب عليها من العواطف، وقد جرى الكلام حول ذلك بما فيه الكفاية -إن شاء الله- فلا داعي لتكراره١.
_________________
(١) ١ انظر: مبحث: أثر الإيمان في تطهير القلب من العقائد الباطلة والظنون السيئة.
[ ١ / ٣٨٤ ]