ذكر الله تعالى في كثير من الآيات أنه يهدي المؤمن إلى صراطه المستقيم. والهداية تستلزم الحماية من الضلال وأسبابه، بل إن الإخراج من ظلمات الضلال، مقدّم على الهداية إلى الصراط المستقيم واستمراره لازم لاستمرارها، بين ذلك ﵎ بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥، ١٦] .
فقدم سبحانه ﴿َيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ ﴾ على ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذا نظير قوله تعالى في فعل العبد: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
والضمير في قوله: ﴿َيُخْرِجُهُمْ﴾ و﴿َيَهْدِيهِمْ﴾ راجع إلى ﴿مَنِ اتَّبَعَ
[ ١ / ٢٥٤ ]
رِضْوَانَهُ﴾ فدل على أن هذا إخراج وهداية لمن كان عنده أصل ذلك، لأنه لا يتبع رضوان الله أحد إلا ويكون مهتديًا، فيكون المعنى والله أعلم: إن ذلك تثبيت لهم وعناية بهم في مستقبل أمرهم، وترسيخ لقدمهم في الصراط المستقيم، واستمرار لحمايتهم من أسباب الغواية والضلال. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦-٦٨] .
كما دل أيضًا قوله: ﴿َيُخْرِجُهُمْ﴾ و﴿َيَهْدِيهِمْ﴾ على أن هذا فعله -﷾ –وعنايته وولايته لعبده المؤمن.
وقد دل على هذه الفائدة والتي قبلها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] .
فهذه الآية ونحوها من أشمل الآيات دلالة على هذا المقصد، حيث دلت على أن من جاء بالإيمان الكامل، فإن الله يتولاه بأن يخرجه من الظلمات بصرفها عنه، أو صرفه عنها، ويوفقه للنور ويثبته عليه.
[ ١ / ٢٥٥ ]
فالظلمات: هي ظلمات الكفر، والنور: هو نور الإيمان.
قال الرازي١: "أجمع المفسرون على أن المراد ههنا من الظلمات والنور: الكفر والإيمان، فتكون الآية صريحة في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من الكفر وأدخله في الإيمان" ٢.
والظلمات: تشمل كل الأمور التي ممارستها والتلبس بها كفر، سواء كانت اعتقادية أو قولية أو فعلية، كما تشمل الأسباب والوسائل المؤدية إليها كالشبهات ومثيرات الشهوات
ورد في تفسير المنار: "الظلمات هي الضلالات التي تعرض للإنسان في كل طور من أطوار حياته، كالكفر والشبهات التي تعرض دون الدين، فتصد عن النظر الصحيح فيه، أو تحول دون فهمه والإذعان له، وكالبدع والأهواء التي تحمل على تأويله، وصرفه عن وجهه، وكالشهوات والحظوظ التي تشغل عنه وتستحوذ على النفس حتى تقذفها في الكفر "٣.
_________________
(١) ١ محمد بن عمر بن الحسين القرشي الرازي الطبرستاني، الأصولي المفسر المتكلم، ألف التفسير الكبير، والمحصل، والمطالب العالية. توفي سنة ١٠٦هـ. انظر: وفيات الأعيان ٤/٢٤٨، وسير أعلام النبلاء ٢١/٥٠٠. ٢ التفسير الكبير للرازي ٧/٢٠ ط الثانية، دار الكتب العلمية، طهران. ٣ تفسير القرآن الحكيم، الشهير بتفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٣/٤١ دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت ط: ٢، ت بدون.
[ ١ / ٢٥٦ ]
فالكفر الأكبر الذي هو تكذيب الرسل وما جاؤوا به، والشرك الذي هو الإيمان بالله وبوجود شركاء معه، والنفاق الاعتقادي أو العملي، والخروج عن الدين بالغلو، أو البدع أو المعاصي بمختلف أنواعها كل ذلك من الظلمات وولاية الله لعبده المؤمن تضمن له الحماية من ذلك كله.
والنور: يشمل كل الأمور التي ممارستها أو التلبس بها إيمان، سواء كانت اعتقادية أو قولية أو فعلية، كما يشمل الأسباب المؤدية إليها كالعلم الصحيح وقد تقدم الكلام على تفصيل هذا عند الكلام على طبيعة الإيمان الذي يجري البحث في آثاره.
وحول ما دلت عليه الآية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من طبيعة ولاية الله للمؤمنين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال ابن جرير ﵀: "يعني تعالى بقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ يعني بذلك يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وإنما عنى بالظلمات في هذا الموضع الكفر، وإنما جعل الظلمات للكفر مثلًا، لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك حقائق الإيمان، والعلم بصحته وأسبابه، فأخبر تعالى ذكره أنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإيمان،
[ ١ / ٢٥٧ ]
وسُبله وشرائعه وحججه، وهاديهم فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر أبصار القلوب" ١.
فدل كلامه ﵀ على أن مظاهر ولاية الله للمؤمنين في مجال إخراجهم من الظلمات وهدايتهم للنور يكون بأمرين:
الأول: العلم المزيل للجهل، ويشمل العلم بحقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه.
كما يشمل العلم بسبل الضلال الذي يجعل المسلم حذرًا منها، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] فالله –سبحانه- متولي أمور المؤمنين يوفقهم إلى الخروج من الظلمات ويُمدهم في الهداية، بإعانته لهم على استعمال ما أودعه فيهم من الحواس والعقل في التفكر في آيات الله الكونية والتدبر لآياته التنزيلية، فتستنير قلوبهم، ويرسخ إيمانهم لتظافر الأدلة ووضوحها وإدراك القلوب لها، وتزيد معارفهم بتفاصيل الحق، وما يضاده من طرق الضلال، فكلما عرضت لهم شبهة أو شهوة لاح لهم –من عناية الله بهم- أمر مما استقر في قلوبهم من ذلك، أو مما يفتح به عليهم، يتضح لهم به زيف الشبهة،
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٣/١٤، ١٥.
[ ١ / ٢٥٨ ]
ويطفئ نار الشهوة ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١، ٢٠٢] .
أما الذين كفروا فإن الله يتخلى عنهم ويخذلهم، فتتلقفهم طواغيت الجن والإنس يتلاعبون بعقولهم وقلوبهم، ويركسونهم في الباطل، ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢] .
قال الشيخ محمد رشيد رضا١في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧] .
"أي لا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة، السائقة إلى الطغيان، فإذا كان الطاغوت من الأحياء الناطقة، ورأى أن عابديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق الذي ينبههم إلى فساد ما هم فيه، بادر إلى إطفائه، بل إلى صرفهم عنه بما يلقيه من حُجب الشبهات، وأستار زخارف الأقوال التي تقبل منه لأجل الاعتقاد أو بنفس الاعتقاد٢، وإذا
_________________
(١) ١ محمد رشيد علي رضا القلموني –البغدادي الأصل، الحسيني النسب، صاحب مجلة المنار، نشأ في القلمون من أعمال طرابلس الشام، ثم رحل إلى مصر سنة١٣١٥هـ، ألف: الوحي المحمدي، وتفسير القرآن وغيرها، توفي سنة ١٣٥٤هـ. انظر: الأعلام ٦/١٢٦، ومعجم المؤلفين ٩/٣١٠. ٢ ليس بين قوله:"لأجل الاعتقاد" أو "بنفس الاعتقاد" فرق كبير، والذي يظهر لي –والله أعلم- أن مراده بقوله:"لأجل الاعتقاد" أي من أجل اعتقادهم بصحة ما يدعيه هذا الطاغوت من استحقاقه للعبادة بأي شكل من أشكالها، وما يتبع ذلك من محبته وتعلق القلب به، فإنهم يقبلون ما يقوله. وقوله:"بنفس الاعتقاد" أي أنهم يعتقدون فيه العصمة، وأنه لا ينطق إلا بالحق-وكثيرًا ما يدعي الطواغيت ذلك- فهذا الاعتقاد يجعلهم يقبلون ما يقوله، ويسلمون به.
[ ١ / ٢٥٩ ]
كان الطاغوت من غير الأحياء، فإن سدنة هيكله وزعماء حزبه، لا يقصرون في تنميق هذه الشبهة، وتزيين تلك الشهوة" ١.
الثاني: تطهير القلوب من الشكوك، ودواعي الكفر الساترة لأبصار القلوب: فالقلوب تصح وتمرض.
وأساس صحتها وحياتها هو الإيمان الصحيح، القائم على العلم المستمد من الوحي، وعلى الإخلاص، وما ينتج عن ذلك من العمل الصالح.
ومرض القلب في مقابل ذلك هو الدافع إلى الكفر والنفاق والمعاصي، وهداية الله للمؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يلزم منها تطهير قلوبهم من الدوافع الجانحة.
وسيأتي تفصيل هذا الأثر عند الحديث عن الأثر القلبي للإيمان في الباب الثاني –إن شاء الله-.
_________________
(١) ١ تفسير المنار محمد رشيد ٣/٤٠، ٤١.
[ ١ / ٢٦٠ ]
إلا أن إخراج الله عباده المؤمنين من الظلمات إلى النور لا يقف عند هذين الأمرين اللذين نص عليهما ابن جرير ﵀، بل إنه سبحانه يهيئ لهم من لطفه بهم، أسبابًا تصرفهم عن كل ظلمة تكون في طريقهم، أو تصرفها عنهم، وبذلك يكون هذا الأثر عامًا في كل سبب يؤدي إلى خلاص المؤمن من أفكار الجاهلية وخصائصها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٢، ٣] .
ففي هذا السياق المبارك بيّن سبحانه ثلاثة مظاهر لولايته لعبده المتقي، وهي:
أولًا: يجعل له مخرجًا، أي فرجًا وخلاصًا مما وقع فيه من الشدائد والمحن١، ومن ذلك الفتن وانتشار الأفكار الهدامة، ودعوات الضلال والفرقة في الدين، فإنها من الشدائد التي كثيرًا ما تمر على المسلمين، فييسر الله لعبده طريقًا للسلامة والنجاة.
روى ابن جرير عن قتادة٢ –رحمهما الله- في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ
_________________
(١) ١ انظر: فتح القدير للشوكاني ٥/٢٤١. ٢ الإمام العلامة المفسر قتادة بن دعامة السدوسي البصري، روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب وغيرهما، توفي سنة ١١٧هـ. انظر: وفيات الأعيان ٤/٨٥، وسير أعلام النبلاء ٦/٢٦٩.
[ ١ / ٢٦١ ]
اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ .
قال: "من شبهات الأمور والكربات عند الموت"١.
الثاني: يرزقه من حيث لا يحتسب، أي يقدر الله لوليه ما يحتاج إليه وما يصلح شأنه من وجه لا يخطر بباله ولا يكون في حسابه٢.
ومسألة الرزق وتجاوز الحد في الحرص على المصالح الدنيوية، من أكبر ما يصد الناس عن طريق الله، ويعرضهم للفكر الهدام، ويكون مصيدة ينصبها أعداء الله لعباده المؤمنين، وسيأتي تفصيل ذلك –إن شاء الله- عند بيان أثر الإيمان في تطهير القلوب من الحرص على الدنيا، فإذا كفى الله وليه هذا الجانب فأعطاه وأرضاه، انتفى الدافع، وزال الحرص، وسلم له دينه.
الثالث: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
أي أن: "من وثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه" ٣.
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢٨/١٣٩. ٢ انظر: فتح القدير ٥/٢٤٢. ٣ المصدر السابق.
[ ١ / ٢٦٢ ]
ولا شك أن من أشد ما يهم المسلم هو خوفه من الفتنة في الدين.
لذلك كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "١.ويأتي مزيد إيضاح لهذا المعنى في المطلب التالي.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد، المسند ٦/٣٠٢، ٣١٥ من حديث شهر بن حوشب. والترمذي وقال:"هذا حديث حسن"، أبواب الدعوات ٥/١٩٩. وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة ١/١٠٠.
[ ١ / ٢٦٣ ]