إن الدارس لتعاليم الإسلام يلاحظ أنها لا تخلو من أمرين:
الأول: ما شرع منها أصلًا لتقوية الرابطة الإيمانية بين المؤمنين وخالقهم، وبين بعضهم البعض، كالعبادات والأخلاق والآداب، وكثير من الحقوق، وبالقيام بها يكون المجتمع متصلًا بربه موصولًا ببعضه.
الثاني: ما شرع منها لتسير عليها العلاقات والمعاملات التي يحتاجها الناس في تحقيق مصالحهم فنظمها الشارع على حال تحقق ذلك وتضمن استمرار الرابطة وقوتها، والبعد عن أسباب الفرقة والتنازع.
وقد تقدم الكلام على الأمر الأول المتعلق بجانب الأخلاق والآداب والحقوق في المطلب السابق، ويجري الكلام في هذا المطلب على الأمر الثاني، وهو ما يتعلق بالالتزام بالنظم الإسلامية.
فالنظام الاجتماعي -ويعرف بنظام الضبط الاجتماعي- يقصد به جملة الأحكام والشرائع التي تنظم حياة الناس وعلاقاتهم فيما بينهم في المجتمع المسلم، وعلاقاتهم مع غيرهم من الكفار، والحدود التي تقي المجتمع من عوامل الفساد والضرر والاعتداء من بعضهم على بعض.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
والنظم الإسلامية كثيرة، منها: نظام الأسرة كالزواج والطلاق، ودور الرجل والمرأة ونحوها، ونظام القضاء وما يتعلق به من الصلح والحكم في المنازعات، والجنايات والحدود والتعزير، ونظام الرق، ونظام العقود والشركات، والنظام الاقتصادي وما يتصل به كالزكاة والصدقات والنفقات والفروض، والبيع والشراء والإجارة، ونظام الإرث، وغير ذلك من الأنظمة الشاملة لجميع نواحي النشاط الإنساني.
ووجود هذه الأنظمة ودقة الالتزام بها ضروري لاستقرار حياة الناس، وإقامة العدل بينهم، وحفظ حقوقهم، وانتشار الأمن والأمل في نفوسهم، فينطلقون في ميادين الحياة بثقة وجد للعمل على إصلاح دينهم ودنياهم، وبذلك يترسخ رباط الأخوة ويستحكم، ويتعاونون في سعيهم وكدحهم وهم في أمن من بواعث الشر والنزاع بفضل صلاحية النظام وشموله، ومراعاته لمبادئ الأخلاق والعدل.
والإخلال بشيء من النظم الإسلامية تحصل من جرائه الفوضى والقلاقل والظلم والعدوان، وينجم النفاق والبلبلة الفكرية، والخلاف السياسي، فتتقطع الأرحام وتضيع الحقوق.
كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] .
وإذا زاد التحلل من النظام الإسلامي اختل المجتمع، وشغل الناس
[ ٢ / ٥٧٠ ]
بأنفسهم وأهوائهم، وذهلوا عن العبادة والعلم، فيضعف الإيمان وتقل رابطته ويفشلوا وتذهب ريحهم، فتُزيغ كثيرًا منهم الأهواء، وتتخطفهم الفتن القائمة على الأفكار الهدامة، وبعضهم يقتل في القلاقل والهرج، أعاذنا الله من الإعراض عن الدين، وما يترتب عليه من الشر والفساد.
وبعد هذا الإجمال في الكلام على النظم الاجتماعية في الإسلام وأثرها في صيانة المجتمع المسلم من عوامل الفساد، أخص بمزيد الإيضاح نظامين هامين لهما أثر بالغ وخطير في تحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة خاصة، وسائر الشرور، ألا وهما:
الأول: نظام الجزاء والعقاب.
الثاني: النظام الاقتصادي.
أولًا: نظام الجزاء والعقاب:
ويشتمل على الحدود المقدرة على جرائم معينة بضوابط شرعية معتبرة، وعلى عقوبة التعزير في المعاصي التي لم يرد في الشرع تقدير لعقوبتها.
وإقامة الحدود حصن هام في حفظ المجتمع من سائر الشرور، وخاصة الأفكار الهدامة، فلا بد من الصرامة والحزم في تطبيقها على من استحقها وفق الضوابط الشرعية.
فحد الزنى واللواط والخمر قامع لهذه الشرور التي طالما امتطاها المفسدون، واستغلوها كطعم لإيقاع شباب المسلمين في شرورهم
[ ٢ / ٥٧١ ]
الفكرية، لما لها من الأثر في طمس معالم الإيمان في القلوب، فتحل الظلمة مكان البصيرة، وبذلك ينقاد من وقع في ذلك إلى الأفكار الخبيثة بسهولة، وقد ينسلخ من الإسلام ويعاديه لتحريمه لها، فيصبح عضوًا فاسدًاَ ينشر الفساد في المجتمع.
أما حد الحرابة والإفساد في الأرض فهو فعال جدًا في قمع الشرور الفكرية خاصة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] .
فالحرابة توجد وضعًا قلقًا يسوده الخوف والفزع، وذلك أنسب الظروف لانتشار الشرور، وظهور المنكرات، ونشر الإشاعات، والتحريض على التمرد والخلاف، والترويج للحركات الملحدةوالأفكار المفسدة.وأعظم الإفساد في الأرض وأخطره نشر الشرك في البلاد التي أكرمها الله بالإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] .
قال ابن القيم -﵀-: "وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله،
[ ٢ / ٥٧٢ ]
وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم الفساد، ولا صلاح لها ولا لأهلها، إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلاّ، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته، فلا سمع ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله"١.
وعلى هذا فأساس صلاح الأرض هو عبودية الناس لربهم، وسيرهم في جميع جوانب حياتهم على منهج الله، وفساد الأرض يكون بتعبيدهم لغير خالقهم وتسييرهم على غير منهج الله.
والطريق إلى فساد الأرض بعد إصلاحها إنما يكون بعمل شياطين الإنس والجن في الصد عن دين الله بنشر الشبهات ووضع العوائق النفسية والحسية في الطريق إلى الله وسعيهم في الأرض فسادًا بنشر الأفكار المزخرفة المخالفة لما قرره الإسلام في كل جوانب الحياة.
وقد كان الهجوم الأشد الذي جابه الإسلام من وقت البعثة إلى اليوم إنما هو حرب فكرية تهدف إلى معارضة الإسلام بمبادئ الأديان الوثنية، وبنظريات وتصورات الفلاسفة المجللة بزخرف القول غرورًا.
_________________
(١) ١ التفسير القيم، للإمام ابن القيم، جمعه: محمد أويس الندوي، حققه محمد حامد الفقي، ص٢٥٥ لجنة التراث العربي، بيروت.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وهذه اللوثات الفكرية هي التي جابهت الدعوات السابقة لدعوة نبينا محمد ﷺ، لذلك حذر الله أهل الإيمان منها، وهو تحذير قائم ما بقي الكفر والإيمان، وقام لكل منهما أعوان.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] .
وبيّن الله تعالى وسيلتهم في الإضلال، وأنها قائمة على ترويج زخرف القول المتمثل بالشبهات والأفكار الخبيثة التي غرت أصحابها، ويغرون بها الناس، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢] .
وكان حظ دعوة نبينا محمد ﷺ على مدى عصورها المتعاقبة من كيد هذه الدعوات الفكرية المسعورة أكبر من غيرها.
وقد اشتدت في هذا القرن حيث تنوعت وتطورت الوسائل الناقلة لها، وفرضت المبادئ الإلحادية على كثير من الشعوب الإسلامية، ووضعت أسس العلوم الإنسانية والمادية على أيدي غير المسلمين فأقيمت على قواعد إلحادية في معظمها، ونظريات جاهلية، تهدف إلى حرف العقائد والسلوك، وتسير بمن يتعلمها -إلا من رحم الله- ليلتقي من حيث
[ ٢ / ٥٧٤ ]
لا يشعر مع طريق اليهود والنصارى أو الملحدين في فكره ومنهج حياته، وتصوراته في الكون والحياة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن المروجين للأفكار الهدامة، والشبهات المضللة من أعظم المفسدين في الأرض، وإفسادهم المؤدي إلى الفتنة عن الدين أعظم من إفساد المحاربين الذين يتلفون الأموال أو يزهقون الأرواح، حيث تقرر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] .
لذلك كان إيقاع العقاب المناسب عليهم من أعظم الحصون الاجتماعية، الحافظة للمجتمع من الفكر الخبيث.
وعقاب المفسدين في الأرض بترويج الفساد الفكري واجب إيقاعه والصرامة في تنفيذه، سواء كان حدًا يشمله عموم المحاربة لله ولرسوله، وعموم الإفساد في الأرض، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية، أو كان ذلك من باب قياس الأولى، لأن إفسادهم أشد وخطرهم أعظم، فكان إنزال العقاب بهم أوجب، أو كان ذلك من باب التعزير، فقد نص طائفة من أهل العلم على قتل الداعي إلى البدع١.
وليس المقصد تحقيق هذه المسألة من الناحية الفقهية، وإنما الإشارة
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٢٨/١٠٨، ١٠٩.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
إلى أهمية إقامة هذه العقوبة، والجد في قمع المضللين، وأثر ذلك في حماية المجتمع من شرهم، وتحصنه بهذه الشعيرة الإيمانية من الشرور الفكرية.
أما حد الردة القاضي بقتل المرتد عن دينه لقوله ﷺ: " من بدل دينه فاقتلوه "١، فهو حصن من حصون المجتمع المسلم يسد ثغرة يتسلل منها المفسدون لإضلال الناس وحملهم على المجاهرة بالردة، والمجادلة بالباطل، والمعارضة بالشبهات، فيتجرأ على التمرد على الدين من لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، وينقاد إليهم ويتابعهم بعض المغرورين الجاهلين، فيبدأ بنيان المجتمع بالانحلال، وتسري فيه عدوى الضلال.
قال عبد الكريم زيدان: "إن المرتد مع إخلاله بالتزامه يقوم بجريمة أخرى، هي الاستهزاء بدين الدولة، والاستخفاف بعقيدة سكانها المسلمين، وتجريء لغيره من المنافقين ليظهروا نفاقهم، وتشكيك لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذه كلها جرائم خطيرة يستحق معها المرتد استئصال روحه وتخليص الناس من شره، وإنما قلنا: إن المرتد من يرتكب هذه الأمور، لأنه لا يعرف ارتداده إلا بالتصريح، وإلا لو أخفى ردته لما عرف"٢.
وهذا الأسلوب بعينه قد استخدم في مجابهة هذا الدين في عصر النبوة
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، الصحيح مع الفتح ٦/١٤٩، ح٣٠١٧) . ٢ أصول الدعوة ص٢٨٦.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
في محاولة إخراج أهله منه، وخاصة من لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، ولم تشرب العلم نفوسهم، فيدخل فرد أو جماعة في الدين، وقد يكونون من الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤]، ممن يعجب بهم كثير من السذج والرعاع ويعظمونهم، فإذا دخلوا فيه لم يلبثوا أن يرجعوا عنه، فيظن من يعجب بهم أنهم إنما رجعوا لما تبين لهم من عدم صلاحه، أو لأنهم لم يجدوا فيه شيئًا مهمًا، فتضعف الثقة في نفوسهم بدينهم، ويسري إليهم الشك، وقد يتابعهم بعض من أحبهم وأعجب بهم. قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢] .
ولذلك كانت إقامة هذا الحد حصنًا يقي المجتمع المسلم من هذا المكر الخبيث، بالغ التأثير في الإفساد لو أتيح له المجال، وهذا من محاسن الإسلام ودقة تشريعاته وشمولها لكل ما فيه سلامة المجتمع وحمايته.
ثانيًا: النظام الاقتصادي:
النظام الاقتصادي الإسلامي كغيره من النظم الإسلامية يقوم على أساس العقيدة الإسلامية، فالملك لله، والأمور والمعاملات يجب أن تجري على أمره سبحانه.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وقد اعتنى الإسلام بتنظيم نشاط الناس الاقتصادي عناية كبيرة، بما وضعه من أحكام وقواعد دقيقة شاملة. وهذه العناية تتناسب مع أهمية النشاط الاقتصادي الذي يحتاج إليه الناس لتبادل منافعهم الدنيوية ومصالحهم الحيوية.
والنظام الاقتصادي الإسلامي يتجاوب مع الفطرة بإقراره حق التملك وحرية التصرف بضوابط تضمن حصول المنفعة للفرد والمجتمع وتمنع الضرر.
وهو يراعي الأخلاق الفاضلة، حيث يقوم على مبدأ التعامل النظيف الذي ينمي الحب، ويشد رابطة الأخوة الإيمانية بين أفراده، على حد قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] .
وبهذا يقطع الإسلام جذور المعاملات الباعثة على الحسد والحقد والبغضاء والفساد الخلقي والاجتماعي، فيمنع الكذب والغش والخداع، والغدر والغرر، ويحرم الاتجار بالفاحشة والرذيلة والمتع السيئة، والمسكرات والمخدرات، ويشدد في تحريم الربا لما ينتج عنه من الغبن واستغلال الفقراء والاحتكار والكساد الاقتصادي. وفي الجملة فهو يمنع المتاجرة والتعامل بكل شيء يجر شرًا أو فسادًا خلقيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو فكريًا.
كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي يعتني بسد حاجات الناس اللازمة للعيش. فالمجتمع المسلم متكامل متكافل متعاون على المستوى
[ ٢ / ٥٧٨ ]
الشعبي والحكومي، فكل قد سن له في هذا النظام دور يحقق هدف التكافل الاجتماعي؛ فحث الإسلام على العمل ورغب فيه، وأمر الأقارب بكفالة المحتاج والكبير والمريض، وشرع الصدقة والزكاة لسد حاجات الفقراء، وتحقيق بعض المصالح، وحمّل ولاة الأمر رعاية من لم يجدوا من يرعاهم من أقاربهم أو عجزوا عن رعايتهم.
ومما تقدم تبين أن الإسلام يقيم النظام الاقتصادي على أسس متينة تتمثل في استمداده من العقيدة الإسلامية، ومراعاة الفطرة الإنسانية، وقيامه على الأخلاق الفاضلة، والتزامه بسد حاجات الناس المعيشية١.
وإذا التزم المسلمون دولة وأفرادًا بالنظام الاقتصادي، استقامت حياتهم، وانتظم تعاملهم، وانقطعت بوادر الشر والحقد والحسد والضغينة والبغضاء، وأمن الناس على أرزاقهم ومصالحهم، فتتماسك جبهتهم الداخلية. والإخلال بالمعاملات الاقتصادية، وتعدي حدود الله فيها يؤدي إلى اختلال المجتمع، وتغير القلوب، ويعتِب بعضهم على بعض، ثم يحقد ويحسد.
فباختلال هذا النظام تختل الأسوار الواقية للمجتمع والعاملة على تماسكه وسلامته، فيضطرب النظام الاجتماعي، وتضعف الرابطة الإيمانية،
_________________
(١) ١ انظر: لهذا وما قبله، أصول الدعوة، عبد الكريم زيدان ص٣٣٢، ٣٣٧.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
ويحصل الشر بين المسلمين، ويصبح المناخ مهيأً لشياطين الإنس والجن للعمل على الإيقاع بينهم مستغلين ما بينهم من الضغائن.
واختلال النظام الاقتصادي مرده إلى شح الأغنياء، وما يقابله من ظلم واعتداء الأقوياء من الفقراء، وتفريط السلطة بالمحافظة عليه، والصرامة في تطبيقه.
ومما يمهد لانتشار الأفكار الضالة التهاون في منع المتاجرة بالمتع المحرمة والمخدرات والمسكرات، أو وسائل التأثير الفكري كالأفلام المنحرفة، فذلك يؤدي إلى ظهور الفواحش في المجتمع، وكثرة الخاملين الساقطين، وانحراف الأفكار وتغير مفاهيم المجتمع والتشكك في العقائد، بفعل ما تحدثه المعاصي من الظلمة في القلوب، وما تحدثه الأفلام والقصص والمجلات الزائفة من آثار فكرية هدامة.
أما أثر المعاملات المالية على العلاقات القريبة فظاهر جدًا، فكم من عداوة نشأت بين الأقارب بسبب الظلم في المسائل المالية، وأصدق شاهد على ذلك حصول كثير من المنازعات بسبب الجور في قسمة الميراث بين الأقارب، مما يدل على أهمية الالتزام بأحكام الإسلام في تنظيم المال ومعاملاته، وضرورة الرضى بذلك حفاظًا على تلاحم أفراد المجتمع.
ويمكن القول أن النظام الاقتصادي الإسلامي يمثل أقوى دعامة -بعد رباط العقيدة- يتحصن بها المجتمع ويجابه بها مخططات أعدائه،
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وخاصة في هذا العصر الذي قامت فيه حضارات الأمم الكافرة على مذاهب اقتصادية، وأصبحت مسألة الاقتصاد هي المحور الذي تدور عليه السياسات والعلاقات بين الدول، فقضايا المال وما يتصل بأرزاق الناس قضايا حساسة تقتضي من المجتمع العناية بها وإيجاد الوعي الكافي بأهميتها وخطورة التهاون بها. كما تستلزم من ولاة الأمر العمل على تحسين أوضاع الناس المالية، ورفع الظلم عنهم، وإيجاد المجالات المشروعة للعمل والاستثمار، والصرامة في تطبيق أحكام الشريعة.
فالناس مجبولون على الشح بالمال ومحبته وإمساكه، كما بيّن ربنا بقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠] .
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] .
وقوله: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩-٢٢] .
وبين سبحانه أن الإنسان تخرج ضغينته إذا أخذ ماله، فقال: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٦-٣٧] .
قال ابن جرير -﵀-: "قد علم الله أن في مسألته المال خروج
[ ٢ / ٥٨١ ]
الأضغان"١، ومثل أخذ المال منع الحق كلاهما يخرج الضغينة.
فكم استغل أعداء الإسلام في الداخل والخارج الأوضاع الاقتصادية المضطربة، والضغائن الناتجة عنها في المجتمع المسلم لإثارة الرعية على الراعي، أو الدعوة إلى مذاهب اقتصادية قائمة على أفكار إلحادية كالشيوعية أو الاشتراكية أو الرأسمالية، وأعظم ثغرة يتسللون منها هي وجود الشحناء والبغضاء والحسد بين طبقات المجتمع نتيجة للإخلال بالنظام الاقتصادي، والتهاون في إيصال الحقوق إلى أهلها، وعدم العدل بين الناس فيها، فيَعِدُون الفقراء الكادحين بالعدل الذي فقدوه، أو الحق الذي سلب منهم، فينخدعون بهم، ويناصرونهم على ذلك، مع جهلهم بحقيقة ما يدعون إليه من الإلحاد، فتسير الشعوب خلف شعارات براقة، ودعاوى منسقة، وبذلك سقطت كثير من الشعوب الإسلامية تحت الحكم الشيوعي أو الاشتراكي القومي أو العلماني أو غير ذلك من الحكومات الفاسدة، وبذلك فرضت أفكار إلحادية ومبادئ كفرية خبيثة على الشعوب الإسلامية، وحُرفوا عن دينهم وصدوا عن طريق ربهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبهذا يتبين أن التزام النظام الاقتصادي الإسلامي حصن يحصن المجتمع من عوامل الفساد والفرقة والخلاف والعداوة والبغضاء، والتي هي
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٢٦/٦٥.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
جسر يمتطيه أعداء الإسلام المتربصون به في الداخل والخارج لزعزعة المجتمع وبث بذور الشر فيه، من خلال الأفكار الخبيثة والمبادئ الفاسدة، والشبهات المزخرفة.
[ ٢ / ٥٨٣ ]