تقدم أن من جاء بأصل الإيمان مطالب بتكميل إيمانه بفعل الفرائض والشرائع والسنن، والانتهاء عن المحرمات والمكروهات.
فمن فعل ذلك وعبد الله مخلصًا عن علم وبصيرة كان في مرتبة المقتصد وتسمى: كمال الإيمان الواجب، ويسمى أهلها: المقتصدون، والأبرار، وأصحاب اليمين.
قال ابن كثير -﵀-:"ومنهم مقتصد وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات" ١.
فالمقتصد: هو الذي جاء بأصل الإيمان صحيحًا، وتقرب إلى الله بما افترضه الله عليه، وانتهى عما نهاه عنه. وقد يتساهل ببعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات، ويتوسع في المباحات. لكنه يبادر إلى التوبة عند المعاصي والخطيئات.
وهي أدنى منازل التقوى المعتبرة في حصول ولاية الله، وذلك أن حقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وقاية، هي فعل الطاعات واجتناب المحرمات٢.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/٥٥٤، وانظر لهذا المعنى: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١٦، ومدارج السالكين ١/١٢٢. ٢ انظر: جامع البيان لابن جرير ١/١٠٠.
[ ١ / ٢٠١ ]
وقد بين الله تعالى أعمال البر التي من جاء بها كان من الأبرار المتقين، وهذا البيان يكفينا في معرفة حقيقة التقوى التي تُنال بها ولاية الله، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] .
وقد استدل بهذه الآية الإمام البخاري -﵀- في باب أمور الإيمان من كتاب الإيمان١ على أن الإيمان الكامل يستلزم الأعمال الصالحة الظاهرة.
وقد بين ابن حجر -﵀- وجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب٢، ثم قال: "ووجهه أن الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه الصفات فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون"٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع فتح الباري ١/٥٠. ٢ ونصه: "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان"، نفس المصدر ص٥١. ٣ فتح الباري ١/٥٠،٥١.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وبهذا يتبين أن أول منازل التقوى، هي مرتبة كمال الإيمان الواجب، التي يكون أهلها من الأبرار المستحقين لولاية الله.
ومن زاد في القربة كان قدمه في الإيمان أرسخ، ونصيبه من الولاية أوفر، فيترقى إلى كمال الإيمان المستحب، ويأتي بكمال التقوى التي فسرها النبي ﷺ بقوله: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس "١، أي بعد أدائهم للفرائض، وانتهائهم عن المحرمات يتورعون عن المكروهات والمتشابهات، ويسارعون في النوافل والخيرات، فهم المقربون المحسنون السابقون، وسيأتي الكلام على مرتبتهم إن شاء الله.
وعلى هذا فأهل هذه المرتبة -مرتبة المقتصد- جاؤوا بالإيمان والتقوى التي استحقوا بها ولاية الله، التي توجب لأهلها السلامة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٩٠-٩١] .
_________________
(١) ١ رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب" تحفة الأحوذي، أبواب صفة القيامة، ح (٢٥٦٨) ٧/١٤٧. ورواه ابن ماجة في أبواب الزهد، باب الورع والتقوى، سنن ابن ماجة إعداد: مصطفى الأعظمي ح (٤٢٦٨) ٢/٤٢٨. ورواه الحاكم وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي. المستدرك ٤/٣١٩.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وهم من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ . [فصلت: ٣٠-٣١]
وبين سبحانه أنهم أهل الفلاح، وذكر أوصافهم التي أوجبت لهم ذلك والتي لا يبلغ الإيمان تمامه الواجب بدونها، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١-١١] .
وأهم ما يميز هؤلاء عمن دونهم -من الظالمين لأنفسهم- أن قلوبهم عمرت باعتقاد الأركان الستة الواردة في حديث جبريل -﵇-: " قال فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله،
[ ١ / ٢٠٤ ]
واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " ١.
فكان لاستشعار قلوبهم لهذه المعتقدات، أكبر الأثر في تعلقها بالله، ومراقبته والإخلاص في عبادته، والإشفاق من يوم القيامة.
فحملهم ذلك على الاستقامة على طاعته، والانتهاء عن معصيته، متقين بذلك سخط الله وأهوال يوم القيامة.
وقد بين الله ذلك من حالهم في سورة الإنسان بقوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:٥-١١] .
وأهل هذه المرتبة هم من المؤمنين حقًا الذين ابتُلوا فظهر صدقهم قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإسلام والإيمان والإحسان ح (٨) ١/٣٦.
[ ١ / ٢٠٥ ]
الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١-٣] .
وقد تقدم أن أهل مرتبة الظالم لنفسه معهم من الإيمان ما لو ماتوا عليه لدخلوا الجنة، لكن عند حصول الفتنة والابتلاء، فمنهم من ينافق، ومنهم من يدفعه الابتلاء إلى السعي إلى تحصيل العلم واليقين والعمل الصالح، فيرتفع بذلك إلى كمال الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١] .
ولا يقف امتحانهم عند هذا الحد، بل لا يزال الله يحدث لهم من الابتلاء ما يظهر به مدى صدقهم وثباتهم، قال جل ذكره: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّر ِالصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٧] .
وسئل الرسول ﷺ: أي الناس أشد بلاء.
قال:" الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه
[ ١ / ٢٠٦ ]
خطيئة" ١.
فالابتلاء للمؤمن كالنار للذهب، يزيد في نقائه وصلابته، فلا يزال يدفعه إلى التعلق بالله واللّياذ به، ومحاسبة النفس، وإصلاح دينه، ولا يزال ثوابه يعمل عمله في تكفير سيئاته، وزيادة حسناته، حتى يكون أهلًا لولاية الله التامة، فالاصطفاء بعد الابتلاء.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] .
وأهل هذه المراتب وإن كانوا من المؤمنين المتقين، المستحقين لولاية الله إلا أنهم ليسوا معصومين، فقد يصدر من أحدهم بعض الصغائر أو الكبائر، لكنهم ملازمون للتوبة مبادرون لها، كما وصفهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد. المسند ١/١٧٢، من حديث سعد بن أبي وقاص، والترمذي وقال:" هذا حديث حسن صحيح" تحفة الأحوذي ح (٢٥٠٩) ٧/٧٨. وابن ماجة في أبواب الفتن، باب الصبر على البلاء، سنن ابن ماجة إعداد محمد الأعظمي ح (٤٠٧٢) ٢/٣٨٦. وصححه ابن كثير في التفسير ط الشعب ٦/٢٧٣، وله شاهد عند الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري، وقال عنه:" صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، المستدرك ٤/٣٠٧.
[ ١ / ٢٠٧ ]
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] .
ولا تخرجهم هذه المعاصي، وإن كانت كبائر تابوا منها، من هذه المرتبة.
أما ما أعده الله من النعيم لأهل هذه الدرجة، فقد بين الله تعالى أنه مع عظمه، إلا أنه أقل من نعيم المقربين الذين جاؤوا بكمال الإيمان المستحب، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُدْهَامَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٦٢-٧٨] .
وفي سورة الواقعة: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ
[ ١ / ٢٠٨ ]
أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٢٧-٤٠] .
وفي سورة الإنسان: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:١١-٢٢] .
ففرق سبحانه بين ما أعده من النعيم لأصحاب اليمين، وما أعده للمقربين المحسنين في سورة الواقعة والرحمن، وأشار إلى شيء من ذلك في سورة المطففين فقال في وصف الأبرار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ
[ ١ / ٢٠٩ ]
مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٢-٢٨] .
ففي قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ ذكر شراب الأبرار، وشراب المقربين، قال ابن جرير -﵀- في المراد بقوله: تسنيم: "وأما سائر أهل التأويل، فقالوا: هو عين يمزج بها الرحيق لأصحاب اليمين، وأما المقربون فيشربونها صرفًا" ١.
وسوف يأتي مزيد من البيان لهذا المعنى عند الكلام على مرحلة السابق بالخيرات إن شاء الله.
وخلاصة القول أن أهل مرتبة المقتصد هم الذين جاؤوا بكمال الإيمان الواجب، وعبدوا الله على بصيرة، وسلمت قلوبهم من الشرك والريب، وأمراض الشبهات والشهوات، كما سلمت أعمالهم من الإصرار على معاصي الله، فهم ملازمون لطاعته واستغفاره.
وهم في الدنيا أهل ولاية الله وعنايته وتسديده ولا يمنع ذلك من أن تصيبهم بعض المصائب والمكروهات، تمحيصًا للذنوب، وتحقيقًا للصبر والإيمان، وزيادة في الحسنات، ورفعة في الدرجات، وتكفيرًا للسيئات.
وفي الآخرة يتولاهم الله أيضًا، فيؤمّنهم من الفزع الأكبر، ويدخلهم
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٣٠/١٠٨.
[ ١ / ٢١٠ ]
الجنة ابتداء قد حرم الله عليهم النار، لكن لا يمنع ذلك من أن ينال بعضهم بعض المكروه عند الموت، أو في القبر، أو في الحشر، تكفيرًا لما قد أصاب في الدنيا من المعاصي.
وفي الجملة هم أهل السلامة والأمن في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٠-٣٣] .
[ ١ / ٢١١ ]