الشدائد هي النوازل والأمور المضرة التي يشتد وقعها على المؤمن، وقد تضعف نفسه عن تحملها ومقاومتها، ويُخشى عليه فيها أن تزل قدمه فتصدر منه أعمال أو أقوال، أو ظنون ترديه في دينه أو دنياه.
ولا شك أن من أعظم الشدائد التي عاناها المسلمون في مختلف عصورهم هي جهود أعدائهم من محاولة فتنتهم بمختلف الوسائل ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل﴾ [البقرة:٢١٧] .
ومن ذلك الوسائل الفكرية التي تهدف إلى التأثير على السلوك، وزعزعة العقائد بالفكر الخبيث، والتي اشتد وقعها في القرون المتأخرة، حيث عمت المصيبة في الدين، ونجم النفاق، وانتشرت أسباب الفساد، وارتفعت أصوات الناعقين بالكفر، والشبهات والتلبيسات، وتسلط الأعداء على المسلمين وظهروا عليهم.
فالله تعالى يتولى عبده المؤمن في مثل هذه الأحوال، فيثبته ويربط على قلبه، ويهديه ويهيئ له من الأسباب ما يعينه على الخلاص منها.
قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
[ ١ / ٢٦٤ ]
الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] .
وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١] .
وورد في رواية الإمام أحمد -﵀- لحديث ابن عباس –﵄- قوله ﷺ: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّفْ إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة " ١.
فالمؤمن الذي تعرَّف إلى الله في الرخاء، بتحقيق التقوى، يجد ثمرة تلك المعرفة عناية وحماية من الله له في الشدة، فالله هو الشكور الحميد.
فما أحوج المسلمين في هذا العصر إلى الالتزام بالإيمان الصحيح الراسخ، الذي هو السبب في تحصيل ولاية الله، فيهدي قلوبهم ويثبتهم على الصراط المستقيم، ويصلح أحوالهم، ويلهمهم رشدهم، ويبصرهم بما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد، المسند ١/٣٠٧ من حديث ابن عباس. وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة ح٣١٨ ١/١٣٩.
[ ١ / ٢٦٥ ]