العواطف تتعلق بالمحبوبات والمكروهات، وكل عاطفة عبارة عن مجموعة انفعالات.
فمثلًاَ: مجموعة انفعالات سارة نحو شخص ما -كالإعجاب أو الشهوة، أو السرور والراحة أو الامتنان- تكون عاطفة محبة له أو حنوًا عليه.
ومجموعة انفعالات غير سارة -كمشاعر الضيق، والاشمئزاز والاحتقار أو الحقد- فإنه تكون عاطفة كراهة١.
فالعواطف السارة مثل: المحبة والحنو، والاشفاق، والرحمة، والرجاء، ونحوها.
والعواطف غير السارة مثل: الكراهية، والابتئاس، والقنوط ونحوها.
والعواطف من أعمال القلوب، وتكون مستقرة أو سائدة.
فالعاطفة المستقرة هي:"استعداد وجداني مكتسب يجعل صاحبه
_________________
(١) ١ انظر: معجم المصطلحات النفسية والتربوية، إعداد د. محمد مصطفى زيدان ص١٨٨، دار الشروق، جدة ط الثانية ١٤٠٤هـ. وانظر: علم النفس المعاصر ص١٦٧.
[ ١ / ٣٠٢ ]
قابلًا للانفعال، ولاتخاذ سلوك معين كلما اتصل بالموضوع أو الشخص الذي ركز حوله هذه العاطفة"١.
وعرفها بعضهم بأنها: "صفة نفسية ثابتة مكتسبة لها أثر كبير في تكوين الشخصية"٢.
ويراد بوصفها بالثبات: تمييزًا لها عن الانفعالات الطارئة -كالغضب والفزع- فإنها توجد مع وجود المهيج، وتزول بزواله، أما العاطفة فهي شعور معين يقوم بالنفس نحو شخص معين أو أرض أو فكرة معينة وتكون ثابتة نسبيًا.
والمراد بوصفها مكتسبة: أي أنها وإن كنت تَمُت بالأصل إلى دوافع فطرية٣، إلا أنها تتأثر بالعوامل الاجتماعية، فتنمو وتقوى تحت تأثر التفكر والتأمل، والتجارب الانفعالية وتكرارها وتتوجه نحو موضوع
_________________
(١) ١ بحوث في علم النفس، د. فائز محمد على الحاج ١/١٥٨، المكتب الإسلامي، ط ٤، ١٤٠٢هـ. ٢ معجم المصطلحات النفسية والتربوية ص١٨٨. ٣ الدوافع الفطرية المراد منها: الغرائز التي جُبل الإنسان عليها، كحب الأكل والجماع مثلًا، إلا أن الدافع الفطري يكون عامًا غير متوجه إلى معين، بخلاف العاطفة، فإنها تكون متوجهة إلى معين، فمثلًا: حب الأكل دافع فطري، ولكن حب التفاح يكون عاطفة، والميل إلى النساء دافع، ولكن توجهه إلى الزوجة المعينة يكون عاطفة.
[ ١ / ٣٠٣ ]
معين، أو شخص أو جهة معينة١.
ووصفها بأنَ لها تأثيرًا كبيرًا في تكوين الشخصية: أي أن العواطف لها تأثير على إرادات الإنسان، ونواياه الدائمة التي تأخذ شكل العادات أو العبادات المتكررة، ومواقفه الثابتة.
"فتقوم العواطف بتنظيم الحياة الانفعالية للفرد، وتنظيم السلوك والدوافع الفطرية، وتعدلها وتوجهها وجهة معينة، ونتيجة لذلك يكتسب المرء قسطًا وفيرًا من الثبات والاستقرار، مما يساعد على التنبؤ بسلوكه، ويرجع هذا إلى الاتجاه الثابت الذي تكونه العاطفة لدى الفرد تجاه موضوعات معينة أو أشخاص وأفكار " ٢.
وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى العاطفة المستقرة بقوله: "حتى تصير الطاعات أو المعاصي هيئات راسخة، وصفات لازمة، وملكات ثابتة" ٣.
أما العاطفة السائدة: فهي عاطفة من عواطف الإنسان إلا أنها تزيد على غيرها من العواطف، وتستحكم حتى تسيطر على جميع عواطفه
_________________
(١) ١ انظر: بحوث في علم النفس العام ١/١٥٧، ١٥٨، وعلم النفس المعاصر ص١٦٦. ٢ علم النفس المعاصر ص١٦٨. ٣ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، للإمام ابن قيم الجوزية ص٥٧، ٥٨ المطبعة السلفية، ط الأولى، ١٣٩٤هـ.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وتصبغها بصبغتها، وتعمل على توحيدها وتتحكم في تعلقاتها١.
وعرفها بعضهم بقوله: "هي الاستعدادات النفسية للتأثر والتفكير والانفعال بموضوع معين، يصبح محور الحياة، وتسخر الدوافع النفسية لإرواء هذه العاطفة بزيادة التضحية والانفعال، والعمل من هذا الموضوع في كل موقف من مواقف الحياة"٢.
وقد أشار ابن القيم -﵀- إلى هذه العاطفة بقوله: "إنما نعنى بالمحبة الخاصة، وهي التي تشغل قلب المحب، وفكره وذكره لمحبوبه" ٣.
وقال أيضًا: "وكذلك غمرات الحب، وهي ما يغطي قلب المحب فيغمره" ٤.
ومن أمثلة العاطفة السائدة: حب الله في قلب المؤمن، عاطفة سائدة توجه جميع عواطفه وانفعالاته وإراداته، فيحدد موقفه وسلوكه في مختلف نواحي الحياة، بناء عليه، وكذلك حب شهوة معينة كالمال أو النساء ونحوها، قد تكون سائدة في قلب الإنسان فتسير وظائف القلب الأخرى وتوجهها لوجهتها، كحب العجل الذي أشربته قلوب بعض بني إسرائيل،
_________________
(١) ١ انظر: علم النفس المعاصر ص١٧٠. ٢ بحوث في علم النفس العام ١/١٥٨. ٣ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ١٧٨. ٤ روضة المحبين ونزهة المشتاقين للعلامة محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية ص٣٤ دار الباز للطباعة والنشر، مكة المكرمة، ط بدون ١٣٩٧هـ.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ومن أمثلتها أيضًا الحقد، فقد يصبح في وقت من الأوقات عاطفة سائدة، كحقد ابن المقتول -مثلًا- على قاتل والده، قد يستغرق فكره وجهده، ويسخر جميع إمكانياته في طلب ثأره.
أما مكان العواطف، فقد وردت نصوص تدل على أن مقرها في القلب، من ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد:٢٧] .
وقال تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣] .
أي أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم واستقر بها١.فهذه عاطفة سائدة حملتهم على عصيان التكليف الإلهي.
والخوف والوجل قد يكون عاطفة، وقد يكون انفعالًا، فباعتباره حالة مستقرة ملازمة للقلب، كالخوف من الله في قلوب المؤمنين فهو عاطفة، وباعتباره حالة مؤقتة كالفزع والخوف من مكروه طارئ فهو انفعال.
وقد ورد في القرآن ما يدل على أن الخوف يقوم بالقلب، من ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] .
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ١/٤٤٢، ٤٢٣.
[ ١ / ٣٠٦ ]
وقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران:١٥١] .
ولكل عاطفة انفعال معين، إلا أنه انفعال هادئ مستقر لاستقرار العاطفة -كما تقدم-. هذا الانفعال ينشط القلب، ويحرك الإرادة إلى السعي لما يوافق العاطفة أي لإرواء العاطفة، وهذه الانفعالات المنبعثة من العواطف، ضرورية لحركة الإنسان ونشاطه، فلها تأثير كبير على سلوكه المعتاد بخلاف الانفعالات الحادة التي سيأتي الكلام عليها في المطلب التالي.
[ ١ / ٣٠٧ ]