فمن المعروف أن الهند قد فتحها محمد بن القاسم الثقفي في عهد الوليد بن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، ونظرا لأن هذا الفتح كان قريب عهد بزمن الصحابة ﵃، فإن أهل الهند كغيرهم لم يعرفوا إلا القرآن والحديث، ولم يعلموا إلا ما صح عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى مدة طويلة (^١).
وهذا بالطبع هو منهج أهل السنة والجماعة، وقد تبنته جماعة أهل الحديث (الجماعة السلفية) بالهند، ولم يخل زمن من وجود هؤلاء مع تتابع الفتن وتكاثر الأحداث فيها، إلا أن هذه السمة لأهل الهند كانت تختفي وتظهر حتى برز بكل وضوح في بداية القرن التاسع عشر الميلادي بدعوة الشيخ الشاه إسماعيل الشهيد (١١٩٣ - ١٢٤٦ هـ) (^٢)، بمؤلفات الشيخ السيد صديق حسن خان
_________________
(١) ينظر الثقافة الإسلامية بالهند لعبد الحي الحسني ص: ٢١٢
(٢) الشاه محمد إسماعيل الشهيد (١١١٢ هـ - ١٢٤٦ هـ): هو إسماعيل بن عبد الغني بن ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي. ولد بدلهي، وتوفى والده في صباه فتربى في مهد عمه الشيخ عبد القادر بن ولي الله الدهلوي وقرأ عليه الكتب الدرسية، واستفاض عن عميه الشيخ رفيع الدين والشيخ عبد العزيز، ثم لازم أحمد بن عرفان الشهيد البريلوي، فكان قائد جيوشه في المعارك، وكان خطيبا وعالما كبيرا، ومن أشهر مؤلفاته تقوية الإيمان، وهو في الهند بمثابة كتاب التوحيد بديار
[ ٥ ]
(ت ١٣٠٧ هـ)، وبدرويس الشيخ نذير حسين المحدث الدهلوي (ت ١٣٢٠ هـ) ﵏ (^١).
وقد بين الباحث في بحثه هذا القواعد المنهجية الخاصة لهذه المدرسة من حيث اعتمادها على الوحي، وحدود العقل عندها، ودوره الحقيقي وموقفها من الأمور الغيبية، والمرجع الصحيح عند التنازع أو الاختلاف ثم رأيها في خبر الآحاد بالنسبة للأحكام والاعتقاد، وكذلك موقفها من علم الكلام والفلسفة، كل هذا وغيره مما يتصل بالمنهج لهذه المدرسة السنية التي هي منهج الصحابة رضوان الله عليهم، ثم بين إلى أي مدى ساد هذا المنهج ببلاد الهند فكرا عند علماء المسلمين وعامتهم.