وقد أسّس الإمام ابن القيم ﵀ لهذه القاعدة قائلا: "إن النصوص (الكتاب والسنة) محيطة بأحكام الحوادث (وبأولى أصول الدين)، ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس (^٢)، بل بين الأحكام كلها والنصوص كافية وافية" اهـ (^٣).
ودلالة ذلك من القرآن: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٤). وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٥).
قال الإمام القرطبي ﵀: " .. أي ما تركنا شيئا من أمر الدنيا إلا وقد دلَلْنا عليه في القرآن إما دلالة مبينة مشروعة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول ﵊، أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب فصدق خبر الله ما فرط في الكتاب من شيء إلّا ذكره إما تفصيلا، وإما تأصيلا" اهـ (^٦).
_________________
(١) منهاج السنة لابن تيمية ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥.
(٢) ليس معنى هذا أن ابن القيم ﵀ ينكر القياس، بل هو ممن قال بالقياس الصريح الذي لا يخالف النص الصحيح، وأيد موقفه هذا بالأدلة النقلية والعقلية، وإنما الكلام هنا في معرض القول: بأن الله تعالى لم يفرط في كتابه وسنة رسوله من شيء، حتى القياس الذي نقول به مذكور في النصوص الشرعية كدليل شرعي يسار إليه عند الحاجة، فالكتاب والسنة هما المصدران، وأما الإجماع والقياس فمأخذان أو دليلان.
(٣) أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ١: ٢٥٤.
(٤) سورة الأنعام من الآية: ٣٨.
(٥) سورة النحل من الآية: ٨٩.
(٦) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، مكتبة الرياض الحديثة ٦/ ٢٧١ - ٢٧٠.
[ ٣٧ ]
ودلالته من أقوال الصحابة: قول أبي ذر ﵁ حيث قال: "لقد تركنا محمد ﵊ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلّا أذكرنا (^١) منه علما" اهـ (^٢).
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال، فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة" اهـ (^٣).
فالكتاب والسنة هما العمدة في معرفة الدين أصوله وفروعه ودلائله ومسائله، وقال ابن تيمية ﵀: "جعل القرآن (والسنة) إماما يؤتم به في أصول الدين وفروعه، هو دين المسلمين، وهي طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين فلم يكن هؤلاء يقبلون من أحد -قط- أو يعارض القرآن (والسنة) بمعقول أو رأي يقدمه على القرآن (والسنة") اهـ (^٤). وعليه فإن كل من كان أعظم اعتصاما لهذا الأصل كان أولى بالحق علما وعملا.
وهذه القاعدة تقتضي أمورا منها: