وقد أسّس لهذه القاعدة الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: "إن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان (العقل)، فكلاهما في الإنزال أخوان في معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح (العقل الصريح) لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة (الكتاب والسنة)، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة
_________________
(١) جامع البيان في تأويل القرآن للطبري ٤/ ٢٧٧.
(٢) سورة البقرة: ١٣٧.
(٣) قد سبق التخريج.
(٤) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي حسن ٢/ ٥١٧.
[ ٤٥ ]
(المعقولات)، ولا دلالة النص الصحيح القياس الصحيح بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضا، ويشهد بعضها لبعض، فلا يتناقض القياس الصحيح والنص الصحيح أبدا" اهـ (^١).
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ (^٢) لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (^٣).
وقد جمع الله ﷿ في هذه الآية دليلين دليل النقل والعقل وقدم النقل على العقل، يقول ابن كثير ﵀: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو النقل الصادق ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ وهو العدل قاله مجاهد وقتادة وغيرهما وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة " اهـ (^٤).
وهذا الأصل يقتضي أمورا منها:
_________________
(١) أعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٣٣١، ينظر هذا المعنى في مجموع الفتاوى عند ابن تيمية ١١/ ٤١٠.
(٢) يقول الإمام ابن تيمية ﵀ عند قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: ٧): "هي الأمثال المضروبة والأقيسة العقلية" (الرد على المنطقيين ص: ٣٣٣)، "فما يعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان، وكذلك ما يعرف به اختلاف المختلفات " (وقفة مع الرد على المنطقيين لـ د. محمود ماضي ص: ٢٢٦ - ٢٢٧).
(٣) سورة الحديد: ٢٥.
(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير دار المعرفة بيروت ط / ٥، ١٤١٢ هـ -١٩٩٢ م: ٤/ ٣٣٧.
[ ٤٦ ]