سبق أن قلنا إنه قد وجد بالهند في القرن الثاني عشر الهجري مذهب الاثنى عشرية ومذهب الإسماعيلية، وبصرف النظر عن الجانب التاريخي للفرقتين فإنهما يتفقان كثيرا من ناحية المنهج (^١) لأن الاختلاف إنما في تقرير عدد الأئمة وتعيينهم وفي الوقف على أحدهم وانتظاره أو المُضي إلى آخر والقول بإمامته، (^٢) فالشيعة الإمامية (الاثنى عشرية) امتازت عن غيرها في إثبات الإمامة لاثني عشر رجلا من أهل بيت النبوة وهم يشاركون الإسماعيلية في الستة الأول ويخالفونها في السابع (^٣).
وسنذكر هنا المنهج العقدي الذي اختارته فرقة الاثنى عشرية إذ أنها بمثابة النهر الذي انسكبت فيها كل الجداول والروافد الشيعية المختلفة، فقد استوعبت هذه الفرقة جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعة الأخرى بل أصبحت كلمة الشيعة إذا أطلقت يراد بها الآن الاثنى عشرية، وكأن الاثنى عشرية صارت مرادفة للشيعة (^٤).
يقول سيد أمير علي: "المنازعات السياسية التي فرقت حتى الآن كلمة الشيعة آخذة في الزوال، وبقية الفرق تتلاشى الآن بسرعة في الاثنى عشرية، ومعظم الشيعة في فارس وبلاد العرب وغرب أفريقية والهند ينتمون إليهم، وعلى ذلك أصبحت الاثنى عشرية مرادفة للشيعة" اهـ (^٥).
_________________
(١) ينظر الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب طـ/١، ١٤١٠ هـ ص: ٤٢.
(٢) ينظر أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية عرض ونقد لـ د. ناصر بن عبد الله القفاري ط/٢، ١٤١٥ هـ ١/ ٩١.
(٣) ينظر الثقافة الإسلامية في الهند لعبد الحي اللكهنوي ص: ٢١٧.
(٤) ينظر أصول مذهب الشيعة لـ. د/ ناصر القفاري ١/ ٩٦.
(٥) روح الإسلام لأمير علي ترجمة أمين محمود الشريف راجعه محمد بدران، مكتبة الآداب مصر ١٩٦١ م ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
[ ٩٠ ]
والاثنى عشرية نفسها من حيث المنهج افترقت إلى فرقتين هما: الأخبارية والأصولية.
فالأخباريون يأخذون ما ورد به الأخبار متشابهة كانت أو غير متشابهة، فيجرون المتشابهات على ظواهرها، ويقولون ما قال سلفهم، والأخبار عندهم ما جاء عن أئمتهم، ولا تحتاج رواياتهم إلى النظر والبحث والتحقيق والتفتيش لا عن السند لأنها من صاحب الإمام المعصوم (^١)، ولا عن المتن لأنه من الإمام، وعقول الناس قاصرة عن إدراك كنه ما يقوله الإمام حعسب رواية المعصوم الخامس عند الشيعة محمد باقر، وإن الرجوع إلى دليل آخر من الأدلة العقلية ليس إلّا جهل وضلال، وإذا لم يوجد في المسألة شيء فعليه الإرجاء حتى يأتي فيه خبر عن إمام.
وأما الأصوليون أو المجتهدون فيرون أن هناك دليلا عقليا غير الكتاب والسنة والإجماع ويعتبرون البراءة الأصلية والاستصحاب من هذا الدليل العقلي، فهم يجتهدون، ولا يصدقون كل ما ورد في كتبهم من أخبار (^٢).
ومع هذا الاختلاف الذي سبق ذكره هما فرقة واحدة لأنّ جلّ اعتمادهم على رواية الإمام المعصوم ولذلك إن جملة من شيوخ الشيعة تدعى أن الخلاف بين الأصوليين والأخباريين يقتصر على بعض الوجوه البسيطة ككل اختلاف يحدث بين أبناء الطائفة الواحدة تبعا لاختلاف الرأي والنظر (^٣).
_________________
(١) جاء في بحار الأنوار "اعلم أن الإمامية اتفقوا على عصمة الأئمة ﵈ من الذنوب صغيرها وكبيرها فلا يقع منهم ذنب أصلا لا عمدا ولا نسيانا ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه" (بحار الأنوار للمجلسي ٢٥/ ٢١١).
(٢) ينظر الشيعة والتشيع لإحسان ألهى ظهير ص: ٣٢٠ - ٣٢٥، ومن كتب الشيعة تجد تفاصيل هذا التقسيم في كتاب: "الأصوليون والأخباريون فرقة واحدة" لفرج العمران، المطبعة الحيدرية، النجف ص: ١٩، وكتاب: "روح الإسلام" لسيد أمير علي ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٧.
(٣) ينظر التقليد في الشريعة الإسلامية لمحي الدين بحر العلوم، دار الزهراء بيروت ط / ١٤٠٠٢ هـ ص: ٩٢.
[ ٩١ ]
وقال الشيخ فرج العمان: "إني بحسب تتبعي وفحصي كتب الأصوليين والأخباريين لم أجد فرقا بين هاتين الطائفتين إلّا في بعض الأمور الجزئية التي لا توجب تشنيعا ولا قدحا فيما بينهم (^١).
وقال سيد أمير علي: "ويسمى الآن الاثنى عشرية الشيعة أو الإمامية على المشهور، وهم منقسمون إلى طائفتين، الأصوليين والأخباريين، وليس بينهم خلاف على مسألة الخلافة أو سوقها إلى الإمام الأخير، ولكنهم يختلفون على حجية تفسير المجتهدين بأنهم نوّاب الإمام" اهـ (^٢).
وفيما يلي محاولة لجمع بعض الملامح العامة للمنهج الشيعي أخذًا من كتبهم الأساسية: