يذكر التاريخ أن في بداية القرن الثاني الميلادي دخل التجار الهنود "الإسكندرية" (^١) وهم يبيعون الحرير والأحجار الثمينة، فلما عادوا إلى الهند أحضروا معهم عددًا كبيرا من كتب الديانة النصرانية، وبعد أن درسوا هذه الكتب وطابت لهم بعض التعاليم المتبقى فيها من تعليمات سماوية، راسلوا أسقف الاسكندرية "ديمتريوس" (Demetrus)، وطلبوا إليه أن يرسل إليهم من يعلمهم الدين النصراني، فأرسل إليهم القسيس "بونتينس" (Ponteens) (^٢) فيعتبر هذا القسيس أول عالم أوربي دخل ديار الهند لتعليم أهلها الديانة النصرانية.
ومنذ أن عاد "ماركو بولو" (Marco Polo) (١٢٥٤ - ١٣٢٣) مع عمه وأبيه من الصين عام ١٢٩٥ م بثروة طائلة من الأحجار الكريمة فتحت أوربا عيونها على ثراء الشرق الأقصى. وعلى أثر النهضة العلمية اكتشف "برتولوميو دياس" (Bartolomeu Dias) " رأس الرجاء الصالح" وأبحر منه إلى الهند سنة ١٤٨٦ م. وقصد "كولمبس" (Cristopher Columbus) الإيطالي -وكان يعمل لحساب أسبانيا- الهند (١٤٩٢) (^٣). فهذه الرحلات كانت مكتشفة لثروات الهند وخيراتها.
وهكذا غدت الهند مطمع أنظار الأوربيين كلهم بعد أن أدركوا ما فيها من الثروة، وضربت معظم بلاد الغرب في هذا الميدان بسهم وافر، ورغبت في غزوها
_________________
(١) الإسكندرية: قال أهل السير: بنى الإسكندر الرومي ثلاث عشرة مدينة وسماها كلها باسمه ثم تغيرت أساميها بعده، وصار لكل واحدة منها اسم جديد. (ينظر معجم البلدان لشهاب الدين البغدادي دار صادر بيروت ١/ ١٨٣) وهنا قد أطلقت الإسكندرية وإذا أطلقت يراد بها الإسكندرية العظمى التي ببلاد مصر والتي كانت تابعة لليونان.
(٢) فرنكيون كا جال (شبكة الإنمليز) لـ إمداد صابرى، ترقي أردو بيورو، دلهي: ص: ٣١
(٣) (١٧٧٨)، J.de Barros، Da Asia Decade I،livre ٤،ch ٤ J.de Barros،Da Asia Decade I،Livre ٤،ch ٤ (١٧٧٨) نقلا عن المستشرقون لنجيب العقيقي دار المعارف القاهرة ط / ١٤/ ٦٦.
[ ٢ ]
واستعمارها، فكانت البرتغال أولى دولة أرسلت قوائمها التجارية إلى الهند، ففي سنة ١٤٩٨ م اكتشف البحار الشهير "فاسكو داجاما" (Vasco- da-Gama) (^١) الطريق البحري الجديد إلى الهند، بعد أن دار حول إفريقيا ألقى مراسيه في مرفأ "كالي كت" في جنوب غرب الهندي، وحصل من أمير البلاد على إذن بالتجارة التى لم تكن غايته، وبعد أن درس حالة البلاد واطلع على إمكانيتها وقوتها عاد إلى بلاده، ثم رجع إلى الهند بأكثر من ألف ومأتي جندي (^٢).
ولا شك أن دراسة "فاسكو داجاما" أوضاع الهند دراسة اكتشافية ينطبق عليها كلمة الاستشراق بكل معانيها، فإن الاستشراق يُعرف بأنه: "علم يتناول المجتمعات الشرقية بالدراسة والتحليل من قبل علماء الغرب" اهـ (^٣)، هذا إذا أريد بالاستشراق معناه العام بدون تحديد مجال الدراسة وموضوعه، وبدون إشارة إلى مواصفات الدارس والهدف من دراسته.
وأما الاستشراق بمعناه الخاص فهو كما قال أحمد غراب: "إن الاستشراق دراسات "أكادمية" يقوم بها غربيون كافرون -من أهل الكتاب بوجه خاص-
_________________
(١) داجاما، فاسكو (Vasco-da-Gama) (١٤٦٩ - ١٥٢٤ م): قائد بحري ومكتشف برتغالي، قاد أول أسطول من أوربا للوصول إلى الهند، ولد داجاما بالبرتغال، تعلم علم الفلك والملاحة خلال فترة شبابه، أصبح ضابطا بحريا (١٤٩٤ م). قاد داجاما أربع سفن (١٤٩٧ - ١٤٩٨ م) وقد قُدّر عدد الملاحين الذين شاركوا في هذه الرحلة بحوالي ١٧٠ رجلا، وقام برحلة ثانية إلى الهند (١٥٠٢ م) من أجل إقامة علاقات تجارية، وقد فتحت رحلته التاريخية طرقا تجارية جديدة بين أوربا وآسيا، وفي سنة ١٥٢٤ م عينه الملك جون الثالث نائبا له في الهند ومات في السنة نفسها. (الموسوعة العربية العالمية ١٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٢) ينظر هندوستان مين مغلية حكومت (حكم المغول في الهند) لشوكت على فهمي ٤٠٠ - ٤٠١ وينظر تاريخ شبه الجزيرة لاحسان حقي ٢٣٤ - ٢٤٥.
(٣) الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية لـ د. ساسي سالم الحاج من منشورات مركز دراسات العالم الإسلامي ط / ١ - ١٩٩١ م ١/ ١٨.
[ ٣ ]
للإسلام والمسلمين من شتى الجوانب: عقيدة، وشريعة، وثقافة، وحضارة، وتاريخا، ونظما، وثروات، وإمكانيات بهدف تشويه الإسلام، ومحاولة تشكيك المسلمين فيه، وتضليلهم عنه، وفرض التبعية للغرب عليهم، ومحاولة تبرير هذه التبعية بدراسات ونظريات تدعي العلمية والموضوعية، وتزعم التفوق العنصري والثقافي للغرب المسيحي على الشرق الإسلامي" اهـ (^١).
هذا وقد توالت الرحلات إلى الهند، وكانت من أهمها بعد رحلة "فاسكو داجاما" رحلة "وليم جونز" (Sir William Jones)، (^٢) الذي كان يتقن العديد من اللغات الشرقية، ومن أهمها العربية والعبرية والفارسية، وقد أسند إليه أحد المناصب التجارية بشركة الهند، وبالإضافة إلى عمله الرسمي الذي رحل من أجله إلى الهند عام ١٧٨٣ م لم يقف مكتوف الأيدي أمام تلك الآفاق الثقافية والحضارية الواسعة التي وجدها أمامه، والتي يمتلك لها الأدوات اللغوية الكافية لسبر أغوارها والغوص في أعماقها، فقد درس القوانين الهندوسية والشريعة الإسلامية، والسياسة والجغرافية للهند، وبجهود هذا المستشرق الرحالة أسست "جمعية البنغال الآسوية" (Asiatic Iagne BSociety of) عام ١٧٨٤ م، وكانت لهذه الجمعية ما كانت لـ "الجمعية الملكية" (Rayal Asiatic Society Of Great Britain-١٨٢٣) بالنسبة لإنكلترا، ونظرًا لمعارفه
_________________
(١) رؤية إسلامية للاستشراق لأحمد غراب، من إصدارات المنتدى الإسلامي بريطانيا ط / ٢ - ١٤١١ هـ ص: ٧.
(٢) جونز (Sir William Jones) ١٧٤٦ م - ١٧٩٤ م المستشرق الانكليزى ولد في لندن، وتعلم في "هارو" (Harrow) وكلية الجامعة University College" في "أوكس فورد" (Oxford) وكان شاعرا أديبا، فقد جاء إلى الهند في سبتمبر ١٧٨٣ م قاضيا (judge) في المحكمة العليا بـ "فورت فليام" (Fort William) وقد سبق أن تعلم العربية والفارسية وغيرها من اللغات في بريطانيا وهنا تعلم اللغة السنسكرتية، وأسس جمعية بنغال الآسوية في ١٧٨٤ م في كلكتا، وتولى رياستها حتى وفاته. (British Orientalists By A.J Arberry، William collins of London P: ٣١ - ٣٣، وينظر المستشرقون لنجيب العقيقي ٢/ ٤٧ - ٤٨).
[ ٤ ]
المتعددة وإتقانه للغات الشرقية الأساسية، ومعرفته الفعالة بالشرق والشرقيين، فقد اعتبره "أربري" (Arberry) في كتابه (British Orientalists" المؤسس غير المنازع للاستشراق بالهند (^١).
ومن تلك المحاولات الاكتشافية ما قام به المستشرق "هنيانت أنكتيل دوبرون" (١٧٣١ - ١٨٠٥) الذي وصل "سورت" في غرب الهند ليجد ثمة خبيئة من النصوص الأفستية، وقدم ترجمة لـ "الأفستا" ولخّص المستشرق الفرنسي "شقاب" (Skwab) تقارير أنكتيل، وقال: إن ترجمة لافيتا قد أبانت عن المآثر الباهرة للثقافة والحضارة الفارسية، كما أبانت أيضًا عن حضارات مجهولة لا تحصى تنتمي إلى أزمنة غابرة وإلى عدد لا نهائي من الآداب (^٢).
يقول الدكتور ساسي الحاج: "وبفضل هذه الترجمة للأفستا - وهو الكتاب المقدس للفرس- انجلت لأوربا آسيا التي كانت غامضة لديها، وظهرت واضحة أمامها بعد ما أكسبها اكتشافها بعدها الفكري والثقافي والحضاري، فسعت أوربا إلى التعرف إليها، وكشف أسرارها ودراسة الآفاق التجارية التى يمكن الحصول عليها منها" اهـ (^٣).
وهكذا نشأ الاستشراق بديار الهند على أيدي رحّل من الغرب جابوا الهند ودرسوها وكتبوا عنها تقارير وافية، فكانت هذه التقارير نبراسًا اهتدت به الدول الاستعمارية لغزو الهند وما جاورها من البلاد الشرقية اقتصاديًا وسياسيًا ودينيًا.
_________________
(١) ينظر British Orientalists By A.J. Arberry، William Collins Of London British Orientalists By A.J Arberry، William Collins Of London p: ٣١ - ٣٣، وينظر الظاهرة الاستشراقية لـ د. ساسي سالم الحاج ١/ ٦٦.
(٢) ينظر: " Raymonds Schab: Vie d، Anquetis- Duperron Suivie des Usages Civico et Religicrx des Leroux ١٩٣٤ p.p: ١٠ - ٩٦ peros- paris Ernost نقلًا عن الظاهرة الاستشراقية لـ د. ساسي سالم الحاج ١/ ٦٦.
(٣) الظاهرة الاستشراقية لـ د. ساسي سالم الحاج ١/ ٦٦.
[ ٥ ]