ثم جاء القرن الرابع الهجري، وتتابعت الفتوحات الإسلامية في الهند من جهة إيران وأفغانستان، فأول فتح في هذا القرن كان على يد السلطان محمد الغزنوي (^٤)،
_________________
(١) كيا إقليم هند مين إشاعت إسلام صوفيا كي مرهون منت هي ص: ١٣.
(٢) ينظر حركة الانطلاق الفكري ص: ١١١ - ١١٢.
(٣) الثقافة الإسلامية في الهند لعبد الحي اللكنوي ص: ٢٠٢.
(٤) ينظر آب كوثر لشيخ محمد إكرام ص: ٥٩، وينظر بعض التفاصيل عن السلطان الغزنوي ص: ٦٣٤ في هذا البحث.
[ ٥٢ ]
ومن المعلوم أن المناهج الثلاثة من الأشعرية والماتريدية والاثنى عشرية وغيرها من المناهج العقدية (^١) والمذاهب الفقهية الأربعة كانت منتشرة في العالم في ذلك الوقت، فجاء الفاتحون بهذه المناهج كلها، إلا أن الغَلَبة كتبت للماتريدية والأشعرية في العقيدة، وللمذهب الحنفي في الأحكام، ومع مرور الزمن ازدادت الفتن والأهواء حتى ملك البلاد الملك "أكبر" (^٢) المغولي الملحد، فاختفى المنهج السني الخالص وإن لم ينعدم.
يقول الشيخ إسماعيل السلفي: "وبعد العلامة الصغاني (م- ٦٥٠ هـ) (^٣) لا نرى هنا (في الهند) إلا عددا ضئيلا جدا من العلماء (^٤) المحققين، ومنهم الشيخ علي المتقي
_________________
(١) وسيأتي الكلام عن هذه المناهج في المبحث القادم.
(٢) أكبر: قد ظهر في أواخر المائة العاشرة أكبر شاه بن همايون سلطان الهند، اعتقد أن شبه القارة الهندية كان ولا يزال متحفا عقائديا، وأن هذا البنيان العقائدي كان أساس كل انقسام، فرأى أن الوحدة الدينية هي السبيل نحو التوحيد الحضاري، ومن أجل ذلك أسس عمارة رفيعة بـ "فتح بور" سماها "عبادت خانه"، وكان يجلس فيها في الأوقات المعهودة، وتجتمع لديه شرذمة من علماء اليهود والنصارى والمجوس وكفار الهند وعلماء الشيعة وأهل السنة يباحثهم، فترقى من الفروع إلى الأصول، وقال باستحالة الوحي والتشكيك في النبوات، وأنكر المعجزات، وجوّز التناسخ، وحرم ذبح البقر، وحطّ الجزية، وأحلّ الخمر والميسر ومحرمات أخر، وأمر بإيقاد النار في حرمه على طريقة المجوس، وأمر أن يعظم وقت طلوع الشمس على طريق كفار الهند، وبدل كلمة الشهادة بقوله "لا إله إلا الله وأكبر خليفة الله"، وسمى دينه الدين الإلهي. (ينظر الثقافة الإسلامية في الهند لعبد الحي ص: ٢٢٥).
(٣) الصغاني (٥٧٧ - ٦٥٠): هو رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر بن علي القرشي العدوي العمري الصغاني الحنفي، تلمذ على علماء العرب والعجم، صاحب التصانيف الكثيرة من أشهرها مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية، والأضداد، العباب الزاخر واللباب الفاخر، وموضوعات الصغاني، كان متشددا في تصحيح الأحاديث كأمثال ابن الجوزي، والفيروزآبادي وصاحب سفر السعادة، فأدخل في الموضوعات ما ليس منها. (ينظر كيا إقليم هند مين إشاعت إسلام صوفيا كي مرهون منت هي لغازي عزير ص: ٩٦ - ٩٩، وتاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ١/ ٢٦١ - ٢٦٢).
(٤) وفي الأصل للعلماء.
[ ٥٣ ]
(م - ٩٧٥ هـ) (^١)، والشيخ محمد طاهر الفتني الشهيد (م - ٩٨٦ هـ) (^٢)، وأخيرا الشيخ عبد الحق الدهلوي (م -١٠٥٢ هـ) (^٣)، ومن الطبيعي أن البلد الذي يحكمه ملك فاسق مثل "أكبر"، وتسيطر على نظامه أسرة الملا مبارك (^٤)، ويحصل التشجيع للفجور
_________________
(١) علي المتقي (م-٩٧٥ هـ): هو الشيخ علي المتقي الشاذلي، كان محدثا كبيرا قال فيه الشيخ أبو الحسن الشافعي: "فللسيوطي فضل على جميع العلماء الذين جاءوا بعده، وللشيخ علي المتقي فضل على السيوطي". (كيا إقليم هند مين إسلام كي إشاعت صوفياء كي مرهون منت هي لغازي عزير ص: ١٠١).
(٢) محمد طاهر (م-٩٨٦ هـ): هو الشيخ محمد بن طاهر الفتني ولد في فتن في غجرات، أخذ العلم من علماء الهند وعلماء الحرمين الشريفين وتصاحب الشيخ علي المتقي، وتلقى علوم الحديث، وألف الكتب في هذا الفن من أشهرها مجمع البحار، والمغني في أسماء الرجال وغيرها من الكتب. (ينظر كيا إقليم هند مين إشاعت إسلام صوفياء كي مرهون منت هي لغازي عزير: ص ١٠١ - ١٠٣).
(٣) عبد الحق (م-١٠٥٢ هـ): هو الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي ولد في دهلي، درس الحديث وأتقن هذا الفن، وبعد أن رجع من زيارة الحرمين الحرمين، جلس للتدريس والتأليف مدى اثنتين وخمسين سنة، كان حنفيا صوفيا أخذ البيعة على الطريقة القادرية، وله عدة تأليفات من أشهرها التبيان في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، ومدارج النبوة، وأخبار الأخيار. (ينظر كيا إقليم هند مين إسلام كي إشاعت صوفياء كي مرهون منت هي لغازي عزير ص: ١١٧ - ١٢٦).
(٤) اشتهرت هذه الأسرة بموالاة وتأييد السلطان أكبر، وعمدة هذه الأسرة هو الشيخ ملّا مبارك وبسعيه وبسعي ابنيه أبي الفضل وفيضي أسس أكبر دينه الجديد، وذلك بعد أن أصدر ملا مبارك المحضر المشهور الذي جعل السلطان أكبر الإمام العادل وكان نصه كما يلي: إن الإمبراطور أكبر هو "الإمام العادل"، وأن سلطانه الروحي ومرتبته في عين الله أسمى من أي سلطان، ومرتبة أي مجتهد، وأنه -أي الإمبراطور- أمير المؤمنين، حكيم عادل يخاف الله، وأنه بذلك كله إذا حدث خلاف في الرأي حول مسائل العقيدة بين العلماء والفقهاء، فإن لجلالته بفهمه الفائق الثاقب وحكمه السديد السائب الرأي النهائي الملزم لنا وللأمة جمعاء أن من يعارض أوامر جلالته التي هي لصالح كل =
[ ٥٤ ]
والفواحش من قبل الدولة، كيف تتحرّر فيه العقول من أغلال التقليد والجمود، وكيف تنطلق فيه الأفكار وكيف يستطيع لفيف من العلماء المخلصين من مقاومة موجات البدع والشرك والإلحاد" اهـ (^١).