وكان هذا الوقت قد بلغ فيه الضلال إلى منتهاه، وابتعد الناس عن المنهج الصحيح كل البعد، ولكن في الوقت نفسه كانت هذه بداية رجوع الناس إلى المنهج السني الصحيح، "وقد اختار الله تعالى لهذا الواجب العظيم الشيخ أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي المعروف بمجدد الألف الثاني (م-١٠٣٤ هـ)، وكان ﵀ قد دعا الناس إلى التمسك بالكتاب والسنة، ونبذ البدع والعادات القبيحة، ومحاربة الجمود والتخلف باسم الدين، وبايع على متابعة السنة واجتناب البدعة خلق كثير لا يأتي عليهم الإحصاء" اهـ (^٢).
وهذه الجهود الجبارة قد شقت للمسلمين طريقا نحو المنهج السني، وإن لم توصلهم إليه تماما، لأن الشيخ أحمد مع محاولته في تفنيد الزعم بتقسيم البدعة إلى الحسنة والسيئة، وتصريحه بأن النبي ﷺ كان يكره جميع البدع، فليس لأحد أن يسميها بالحسنة، ولا تسمى في الشرع بدعة حسنة، لم يتمكن من
_________________
(١) = إنسان، تحل عليه اللعنة الإلهية في الآخرة ويصبح بلا دين وعقيدة بل ويحرم من حق الملكية في هذه الدنيا. (ينظر تاريخ البدايوني لعبد القادر: ١/ ٥٣٢، ورود كوثر لشيخ محمد إكرام ص: ١٠٠ - ١١١).
(٢) حركة الانطلاق الفكري لـ د. مقتدى حسن الأزهري ص: ١١٣.
(٣) لمحة عن الحركة السلفية بالهند ونشاط من إصدارات دار الترجمة والتأليف والنشر بالجامعة السلفية، بنارس الهند، ١٣٩٥ هـ -١٩٧٥ م ص: ٦، وينظر حركة الانطلاق الفكري لـ د. مقتدى حسن الأزهري ص: ١٢١.
[ ٥٥ ]
إخراج الناس من بدعة التصوف، وإنما استطاع أن يخرج الناس من فلسفة وحدة الوجود إلى نظرية وحدة الشهود فحسب (^١).
ثم جاء بعده الشيخ أحمد بن عبد الرحيم المعروف بالشاه ولي الله المحدث الدهلوي (ت- ١١٧٤ هـ) لإكمال هذه المهمة، وهي إرجاع الناس إلى المنهج العقدي السني.
يقول الشيخ إسماعيل السلفي: "كان الشاه ولي الله يحاول توضيح الطريق الوسط مجتنبا الإفراط والتفريط، ويهدف إلى أن يُعلي كلمة الإسلام بدون إثارة الفتن والفوضى وأن يعود الناس إلى التمسك بالكتاب والسنة و(كان) يرى إلى إصلاح التصوف وإلى القضاء على الجمود الفقهي، حتى يتمكن الناس من العمل بسنة النبي ﷺ، وبطريقة أصحابه، ولا شك أن فهم الدين يستأنس بالأئمة المجتهدين، ولكنهم لا يصلون أبدا (^٢) إلى منزلة الشارع، بل يبقى الكتاب والسنة المصدر الأصلي للدين،
إلى هذا الاقتصاد والتوسط أشار الشاه ولي الله في "حجة الله البالغة" و"المصفى" و"المسوي" و"إزالة الخفاء" من كتبه القيمة الفريدة مما يدل على أن حكيم الأمة كان يرمي إلى ثورة تكون أساسا لإحياء الكتاب والسنة حتى تشرق أرض الهند بنور الله" اهـ (^٣).