ومن أشهر أدلة الماتريدية والأشعرية في الاستدلال على وجود الله ﷿ دليل الحدوث، وهو إثبات حدوث العالم، وذلك أن العالم عندهم جواهر وأعراض والجواهر لا تنفك عن الأعراض، والأعراض حادثة، وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث فالعالم حادث.
فيقول أبو منصور الماتريدي ﵀: "وإذا ثبت حدوث الأجسام فالأجسام لا تجتمع ولا تفترق بنفسها، ولا هي قادرة على إصلاح ما فسد منها في حال.
قوتها وكمالها، إذا كانت الطبائع المتضادة المتناثرة لا تجتمع بنفسها فلا بد من قاهر يقهرها على غير طبعها وهو الله" اهـ (^٢)
ومن علماء الأشاعرة عبد القاهر البغدادي (^٣) وابن فورك (^٤) وغيرهما يرون ضرورة دليل حدوث الأجسام للاستدلال على وجود الخالق، فيقول ابن فورك: "إن الخلق عرفوا الله ﷾ بدلالاته المنصوبة، وآياته التي ركبها في الصور، وهي الأعراض الدالة على حدوث الأجسام " اهـ (^٥).
_________________
(١) السبعينية لابن تيمية ص: ١٠٨.
(٢) كتاب التوحيد (التوحيد) للماتريدي تحقيق فتح الله خليف دار الجامعات المصرية مصر ص: ١٧ - ١٩.
(٣) ينظر أصول الدين لعبد القاهر البغدادي ص: ٢٣، ٥١، ٥٤، ٦٧، ٢٢٩.
(٤) ابن فورك (ت: ٤٠٦): هو أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني المتكلم الأشعري أخذ عن أبى الحسن الباهلي تلميذ أبي الحسن الأشعري (سير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/ ٢١٤).
(٥) مشكل الحديث وبيانه لابن فورك تحقيق موسى محمد علي المكتبة العصرية بيروت ص: ٤٣.
[ ٧٤ ]
وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- هذا الدليل من عدة وجوه وخلاصته كما يلي:
١ - أنه دليل مبتدع في دين الله لم يدع إليه رسول الله ﷺ ولا أصحابه من بعده ولا أئمة السلف، وإنما هو قول مبتدع حدث بعد المائة الأولى وانقراض عهد التابعين.
٢ - أنه دليل طويل، كثير المقدمات التي لا يفهمها كثير من الناس.
٣ - أنه يلزم عليه لوازم فاسدة، من نفي صفات الله، ونفي قدرته على الفعل، والقول بأنه فعل بعد أن كان الفعل ممتنعا عليه وأنه يرجح أحد المقدورين على الآخر بلا مرجح، وكل هذا خلاف المعقول الصحيح، وخلاف الكتاب والسنة.
٤ - أن هذا أوجب تسلط الفلاسفة على المتكلمين في مسألة حدوث العالم إلى غير ذلك من الوجوه (^١).