قد ساق التفتازاني ﵀ عددا من آيات الصفات، ثم ذكر قانونا كليا في الجواب عنها، فقال: "والجواب: أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظاهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله، مع اعتقاد حقيقتها، جريا
_________________
(١) وقد تناول شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الوجوه بالشرح في كتبه. ينظر مجموع الفتاوى ٥/ ٥٤١ - ٥٤٥، ودرء التعارض ١/ ٩٧ - ٩٩، ١٠٥، ٣٠٨، ٧/ ٧١، ٢٤٥، ٢٤٢، ٩/ ١٧٠ - ١٧١، ١٠/ ١٣٥، ومنهاج السنة ٢/ ١٩٩ - ٢١٢.
[ ٧٥ ]
على الطريق الأسلم أو تؤول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفسير، وشروح الأحاديث، سلوكا للطريق الأحكم" اهـ (^١).
وأما الأشاعرة فموقفهم من الأدلة العقلية لا يختلف عن موقف الماتريدية، فيقررون بأن الاستدلال بالنقل متوقف على حكم العقل بالجواز وإلى هذا الموقف ذهب أئمة الأشاعرة أمثال الغزالي (^٢)، والباقلاني (^٣)، والجويني (^٤)، والرازي ﵏.
فيقول الرازي: "قيل الدلائل النقلية لا تفيد اليقين: لأنها مبنية على نقل اللغات، ونقل النحو والتصريف، وعدم الاشتراط، وعدم المجاز، وعدم الإضمار، وعدم النقل، وعدم التقديم والتأخير، وعدم التخصيص، وعدم النسخ، وعدم المعارض العقلي، وعدم هذه الأشياء مظنون لا معلوم، والموقوف على المظنون مظنون، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية وأن العقلية قطعية، والظن لا يعارض القطع" اهـ (^٥).
وخلاصة هذه القاعدة عندهم: أن العقل أصل والنقل تبع ولا يستدل بالنقل إلا إذا أجازه العقل، وعند التعارض يقدم العقل على النقل، إذ أن ما ثبت بالعقل قطعي
_________________
(١) شرح المقاصد للتفتازاني الطبعة القديمة الحجرية الهندية ٢/ ٥٠، وينظر هذا المعنى في شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص: ٥، ٤٢، ٣١٦ - ٣١٧.
(٢) ينظر الاقتصاد في الاعتقاد لتقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي تحقيق أسعد تميم، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت ١٤٠٥ هـ ص: ١٠٣، وينظر لترجمة الغزالي ص: ٦٣٣ في هذا البحث.
(٣) ينظر التمهيد للباقلاني ص: ٣٨، ١٥٢ - ١٥٣.
(٤) ينظر الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني تحقيق محمد علي موسى، علي عبد الحميد مكتبة الخزانجي مصر ١٣٦٩ هـ ١٩٥٠ م ص: ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٥) معالم أصول الدين للرازي تحقيق طه عبد الرؤف سعد دار الكتاب العربي بيروت ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م ص: ٢٤، وينظر المطالب العالية من العلم الإلهي للرازي تحقيق أحمد حجازي السقا دار الكتب العربي، بيروت ط / ١٤٠٧١ هـ -١٩٨٧ م ٩/ ١١٣ - ١١٨.
[ ٧٦ ]
وما ثبت بالنقل ظني، والظني مصيره إما تأويل أو تفويض، ولا شك هذا المنهج العقلي لم يكن عند السلف، بل كان هذا سمة المعتزلة.
يقول أبو المظفر السمعاني ﵀: "اعلم أنه فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعا للمعقول، وأما أهل السنة فقالوا الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغني المخلوق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء ولو كان الدين بني على المعقول وجب أن لا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا" اهـ (^١).
وأما أهل السنة فجعلوا للعقل مع الشرع ثلاث حالات:
الأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع، فيكون شاهدا ومؤيدا ومصدقا، فيحتجون حينئذ بدلالة العقل على من خالف الشرع، وفي القرآن من هذا النوع أي من الأدلة العقلية شيء كثير، فأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية.
الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفيا ولا إثباتا فحكم العقل إذن جواز ما جاء به الشرع.
الثالثة: أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضا له، فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة إن العقل الصريح لا يعارض النص الصحيح، وقالوا إن الرسل جاءوا بمجازات العقول لا بمحالات العقول، أي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل ولكن يخبرون ما يجيزه العقل ويَحارُ فيه، هذا تحديد موقف أهل
_________________
(١) صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للسيوطي برواية السمعاني تحقيق علي سامي النشار، وسعاد عبد الرزاق، من إصدارات مجمع البحوث الإسلامية سلسلة إحياء التراث الإسلامي ط / ٢، ١٣٨٩ هـ ص: ١٨٢.
[ ٧٧ ]
السنة من العقل مع الشرع، فإذا دل العقل على خلاف ما جاء به في الشرع الثابت الصحيح نتهم العقل ونخطئه ونتبع النقل الثابت الصحيح (^١).