بعد أن تقررت عند الأشعرية والماتريدية قاعدة تقديم العقل على النقل قالوا خبر الآحاد ظني الثبوت وظني الدلالة، والنص المتواتر وإن كان قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة، ولما أن العقل عندهم أحكامه قطعية، وأحكام النقل ظنية فاتهموا ناقلي خبر الآحاد بالافتراء والسهو والغلط.
فيقول الزَّبيدي (^٢) ﵀: "كل لفظ يرد في الشرع وهو مخالف للعقل إما أن يتواتر أو ينقل آحادا، والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه، وإن كان ظاهرا فظاهره غير مراد " اهـ (^٣).
وأما الأشعرية فقد صرحوا بعدَم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة، قال الرازي ﵀: "إن أخبار الآحاد مظنونة فلم يجز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته" اهـ (^٤).
ثم ساق خمسة أوجه على ظنية أخبار الآحاد وعدم الاحتجاج بها في الاعتقاد وهي كلها مجرد شبهات.
_________________
(١) ينظر مجموع الفتاوى ٣/ ٨٨ وما بعدها.
(٢) الزَّبيدي: هو محمد بن الحسيني الشهير بمرتضى اليماني من كبار علماء الحنفية واسع الاطلاع باللغة فهو مؤلف تاج العروس، كان صوفيا صنف شرح الإحياء فساير الغزالي. (الأعلام للزركلي ٧/ ٧٠).
(٣) شرح الإحياء للزبيدي ٢/ ١٠٥ - ١٠٦، ويوجد أصل هذه القاعدة في شرح المقاصد في علم الكلام للتفتازاني الطبعة التركية ٢/ ٥٠، وفي شرح المواقف للجرجاني مع حواشي أخرى مطبعة السعادة مصر، ط / ١، ١٣٢٥ هـ ١/ ٥٦ - ٥٧.
(٤) أساس التقديس للرازي مطبعة مصطفى البابي الحلبي ١٣٥٤ هـ ص: ١٦٨ - ١٧١.
[ ٧٨ ]
ومن المعروف أن حديث الآحاد عند المحدثين ما دون المتواتر يدخل فيه الغريب والعزيز والمشهور، فهو كل حديث لم يبلغ عدد الرواة -في كل طبقة من الطبقات- إلى مبلغ يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب، وقد يتفرد به واحد فيسمى غريبا، وقد يرويه اثنان فأكثر فيسمى عزيزا، وقد يستفيض أن يرويه جماعة فيكون مشهورا أو مستفيضا، وعلى هذا فلا يفيد وصفه بأنه حديث آحاد أنه مروي عن واحد دائما، وعلى هذا معظم أحاديث الصحيحين والسنن المشهورة آحاد ليست متواترة (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك، والشافعي، وأصحاب أبي خنيفة، وداود بن علي وأصحابه، كأبي محمد ابن حزم، ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي (^٢)، والحارث بن أسد المحاسبي (^٣) " اهـ (^٤).
وقال الشيخ الألباني ﵀: "وقد اختلف العلماء في إفادة حديث الآحاد الصحيح العلم واليقين، فبعضهم كالإمام النووي في "التقريب" ذهب إلى أنه يفيد الظن الراجح، وذهب آخرون إلى أن ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحهما من الأحاديث المسندة يفيد العلم والقطع، ورأى الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في الإحكام (^٥) أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معا.
_________________
(١) ينظر نخبة الفكر لابن حجر ص: ١١ - ١٩، والحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للألباني من رسائل الدعوة السلفية ص: ن.
(٢) الكرابيسي (ت: ٢٤٨ وقيل ٢٤٥): هو العلامة فقيه بغداد، أبو علي الحسين بن علي بن يزيد البغدادي صاحب التصانيف (سير أعلام النبلاء للذهبي ١٢/ ٧٩).
(٣) المحاسبي (ت: ٢٤٣): هو الزاهد العارف أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي صاحب التصانيف الزهدية. (سير أعلام النبلاء للذهبي ١٢/ ١١٠).
(٤) مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم اختصار الشيخ محمد بن الموصل ١/ ٤٨٠.
(٥) ينظر الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ١١٩ - ١٣٧.
[ ٧٩ ]
والحق الذي نراه ونعتقده أن كل حديث صحيح تلقته الأمة بالقبول من غير نكير منها عليه، أو طعن فيه، فإنه يفيد العلم واليقين، وسواء كان في أحد الصحيحين أو في غيرهما. وأما ما تنازعت الأمة فيه، فصححه بعض العلماء وضعفه آخرون فإنما يفيد عند من صححه الظن الغالب فحسب، والله تعالى أعلم" اهـ (^١)
والسلف لم يفرقوا إذا صح الحدث بين الأخذ به في العقائد والأخذ به في الأحكام، يقول ابن القيم نقلا عن ابن تيمية رحمهما الله: "وهذا التفريق باطل بإحماع الأمة فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العمليات، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات لم تزل الصحابة والتابعون، وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه، وصفاته، فأين سلف المفرِّقين بين البابين؟ " اهـ (^٢).