قد اتفقت الماتريدية والأشعرية في هذا التقسيم وهو يشمل على ثلاثة أمور:
١ - أن الله واحد في ذاته لا قسيم له أي لا يتبعض ولا يتجزأ.
٢ - أنه واحد في صفاته لا شبيه له.
٣ - أنه واحد في أفعاله لا شريك له (^١).
يقول البابرتي (^٢) ﵀: "وعبر بعض أصحابنا عن التوحيد، فقال هي نفي الشريك والقسيم والشبيه، فالله تعالى واحد في أفعاله لا يشركه أحد في إيجاد المصنوعات، وواحد في ذاته لا قسيم له، ولا تركيب فيه، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها" اهـ (^٣).
_________________
(١) ينظر هذا التقسيم من كتب الماتريدية: في شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص: ٣٩، وشرح العقيدة الطحاوية للبابرتي تحقيق د. عارف أيتكن دولة الكويت ص: ٢٩. ومن كتب الأشعرية رسالة الحرة للباقلاني المطبوعة باسم الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به تحقيق عماد الدين أحمد عالم الكتب بيروت ط / ١٤٠٧١ هـ -١٩٨٦ م ص: ٣٣ - ٣٤، والاعتقاد للبيهقي ص: ٣٤٥ - ٣٤٨، والإرشاد للجويني ص: ٥٢، وشرح أسماء الله الحسنى للقشيري دار آزال بيروت ط / ٢، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٧ م ص: ٢١٥، والاقتصاد في الاعتقاد لعبد الغني ص: ٤٩، ونهاية الإقدام في علم الكلام لعبد الكريم الشهرستاني تحقيق الفردجيوم طبعة ليدن ص: ٩٩٠.
(٢) البابرتي: (ت: ٧٨٦ هـ): هو أكمل الدين محمد بن محمد صاحب العناية شرح الهداية أحد كبار أئمة الحنفية. (جهود العلماء الحنفيه لـ د. شمس الدين ٣/ ١٧٥١.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية للبابرتي ص: ٢١.
[ ٨٣ ]
ويقول العيني (^١) ﵀: "الواحد صفة سلبية يقال على ثلاثة أنواع:
الأول: الوحدة في الذات والمراد بها انتفاء النظير له تعالى بمعنى عدم قبولها الانقسام.
الثاني: الوحدة في الصفات والمراد بها انتفاء النظير له تعالى في كل صفة من صفاته.
الثالث: الوحدة في الأفعال والمراد بها انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات" اهـ (^٢).
فالتوحيد عندهم توحيد الربوبية فقط، ويدخلون فيه نفي الصفات الخبرية التي تقتضي عندهم تجسيما، لأن هذا يخالف عندهم حقيقة التوحيد، وأما توحيد الألوهية فلا يشيرون إليه في كتبهم إلا نادرا جدا، ويعتبرون هذا النوع من التوحيد (أنه واحد في أفعاله لا شريك له) أشهر الأنواع وأقواها دلالة على التوحيد، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله"، فالألوهية عندهم هي القدرة على الاختراع والخلق، ومعنى "لا إله إلا الله" لا خالق إلا الله (^٣).
ولقد فاتهم في هذا التقسيم أهم أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل، نزلت به الكتب هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربيوبية، هو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين من العرب كانوا يقرّون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ
_________________
(١) العيني: هو أبو الثناء بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى العينتابي المصري أحد كبار صدور الحنفية والأعلام الجامعين بين الحديث والفقه، والعلماء المشاركين في العلوم من النحو واللغة والتاريخ وغيرها. (الفوائد البهية للكهنوي ٢٠٧ - ٢٠٨).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية للعيني ص: ٤٨.
(٣) أصول الدين للبغدادي ص: ١٢٣.
[ ٨٤ ]
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (^١)، وإنما جاء القرآن لدعوتهم إلى توحيد الألوهية، وجعل توحيد الربوبية المقرر عندهم دليلا على توحيد الألوهية (^٢).