قد خالفت الماتريدية والأشعرية منهج السلف في باب الإيمان في عدة أمور، ومالوا فيها إلى مذاهب المرجئة، ومن أهمها: قولهم بأن الإيمان هو التصديق أو المعرفة فقط، وأنه لا يزيد بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي، وأن العبادات لا تدخل في مسمى الإيمان. (^٣)
قال البزدوي ﵀ وهو يدافع عن مذهبه في باب الإيمان: "أصحاب الحديث يجعلون العبادات من الإيمان، فيتصور الزيادة والنقصان عندهم، ونحن لا نجعل إلا تبعا، وبفوات التبع لا ينتقص ذات الشيء كفوات القرن من الشاة والثور والظبي، إنما ينتقص بفوت بعضه وهم أخطأوا فيما قالوا، فإنهم وافقونا إنها منه تبعا حتى صح الإيمان بدونها، وبفوات التبع لا ينتقص الشيء بل يزداد
_________________
(١) سورة لقمان: ٢٥.
(٢) ينظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العزص: ٢٨، ٤٢.
(٣) ينظر كتاب التوحيد للماتريدي ص: ٣٣٢، ٣٧٣ - ٣٧٧، والبداية من الكافية للصابوني ص: ١٥٢ - ١٥٥، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني ص: ١٠٦ - ١١٠٨، ١١٩، ١٢٣ - ١٢٨، وأصول الدين للبزدوي ص: ١٥٣، شرح المقاصد للتفتازاني ٥/ ١٧٦، وشرح الفقه الأكبر منسوب للماتريدي، دائرة المعارف الإسلامية الهند، ط/٣، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م ص: ٢٠٨ - ٢١٢، والتمهيد لقواعد التوحيد لأبي المعين النسفي دار الكتب المصرية برقم ٨٦٦/ ١ كلام، ص: ٢٦/ ب، والعمدة لحافظ النسفي (عمدة الاعتقاد مخطوط دار الكتب المصرية برقم ٧١١/ ١٦٩/٠٠: توحيد) ص: ١٧/أ.
[ ٨٥ ]
بوجوده ونحن نقول إنه يزداد وصفا بالعبادات لا ذاتا، وكذلك يزداد بمعاني أخر لا ذاتا" اهـ (^١).
قال أبو بكر الباقلاني: "فإن قالوا: فخبرونا ما الإيمان عندكم؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب، فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثة البي ﷺ هو التصديق، لا يعرفون في اللغة إيمانا غير ذلك، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^٢) أي بمصدق لنا ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر أي لا يصدق بذلك، فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان في اللغة" اهـ (^٣).
ولا شك إن التعريفات السابقة للإيمان لم تؤخذ من جميع النصوص إنما أخذت من بعض النصوص وهناك نصوص كثيرة تدل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناه: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" اهـ (^٤)، فمن هذه الشعب ما هو إقرار باللسان وما هو تصديق بالجنان وما هو عمل بالأركان.
_________________
(١) ينظر أصول الدين للبزدوي ص: ١٥٣.
(٢) سورة يوسف: ١٧.
(٣) التمهيد للباقلاني ص: ٣٤٦.
(٤) متفق عليه.
[ ٨٦ ]
وللدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه هناك نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (^١) ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (^٢) ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (^٣).
وإن دلت بعض النصوص على المعنى اللغوي فلا يمتنع أن تدل نصوص أخرى على المعنى الشرعي الشامل، فلا بد من الرجوع إلى المقصود به في الكتاب والسنة، مثل الصلاة، والزكاة، والحج، ومن المعروف أن لكل لفظ من هذه الألفاظ معنيين: معنى لغويا ومعنى شرعيا، بل إنما نشأ هذا النزاع في معنى الإيمان عند أهل الكلام لالتزامهم ببعض مقدمات سابقة مثل قولهم: إن الإيمان كل لا يتجزأ إذا زال جزء منه زال باقيه، وقولهم: إنه لا يجتمع عند الإنسان طاعة ومعصية، غير ذلك من المقدمات الكلامية، ولقد ناقشهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الباب في مؤلفاته العديدة، وأبطل جميع المقدمات (^٤).
هذه بعض الملامح التي تمتاز بها الماتريدية والأشعرية، والتي اتخذتها منهجا لتلقي العقيدة، ولا يخفى على القارئ أن فيها مخالفات للمنهج السني الذي كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإن علماء الأشاعرة والماتريدية في الهند مع ما فيهم من المخلفات في المنهج قد قاوموا الاستشراق، ودافعوا عن الإسلام، ولكن هذه المخالفات نفسها كانت مداخل للمستشرقين لبث
_________________
(١) سورة الكهف: ١٣.
(٢) سورة المدثر: ٣١.
(٣) سورة الأنفال: ٢.
(٤) ينظر كتاب الإيمان لابن تيمية ص: ١١٥، ١٨٩ - ٣٣٧، ٢٣٩ - ٣٨٧، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٢/ ٩٤، ٧/ ٥٠٩ - ٥٥٠، ١٣/ ٤٨ - ٥٠، ١٨/ ٢٧٠ - ٢٧٦، والاستقامة لابن تيمية ١/ ٤٣٠.
[ ٨٧ ]
شبهاتهم ومناهجهم الغربية بين المسلمين، فتمكنوا من إحلال مناهج جديدة عما هو موجود لدى المسلمين في الهند كي تؤتي نتائجها المقصودة في إضعاف الإيمان عند المسلمين، فتغيرت الطرق المنهجية التي ينظر بها إلى العقيدة الإسلامية عند بعض المسلمين، وهذا ما سنبينه في الفصول القادمة إن شاء الله.
[ ٨٨ ]