يعرض للمسلم وسواس في وجود الله ﷿، وقد يقع المسلم في حرج من هذه الوسواس، لا سيما وهذه الوسواس يتعلق بالله ﷾، وفيما يلي بيان لهذا الوسواس وحكمه:
١ - الوسواس في وجود الله ﷿
هناك فرق واضح بين الشك والوسواس؛ فالشك كما سبق بيانه هو عدم اليقين، ولا يجتمع الشك مع اليقين مطلقًا، بينما الوسواس هو أمر طارئ مع وجود اليقين في القلب، والشك يكون باختيار الإنسان؛ أما الوسوسة فبغير اختياره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " هناك فرق بين الشك والوسوسة، فالوسوسة هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان " (^١).
ويعتقد السلف أن الله سبحانه خلق الشياطين؛ وأنهم يوسوسون للآدميين، ويقصدون استزلالهم، والترصد لهم، لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وأن الله تعالى يسلطهم على من يشاء ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ
_________________
(١) مجموع الفتاوي (١٤/ ١٨) وانظر: الضياء الشارق، سليمان بن سحمان، عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الطبعة الخامسة، ١٤١٤ هـ، (٣٧٤).
[ ٣٢ ]
لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨، ١٠٠]. (^١) وقد أعطي الشيطان القدرة على أن يصل إلى قلب الإنسان، كما في الحديث الصحيح (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا) أو قال: (شيئًا) (^٢).
والقرآن وصف الشيطان المطلوب الاستعاذة منه بأنّه ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، وقد صح أيضًا أنّ لكل إنسان قرينًا من الجنّ يأمره بالشرّ، ويحثه عليه، وفي القرآن (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [ق: ٢٧].
ولا يتخلص المرء من هذا إلا بالالتجاء إلى الله (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *) [الناس: ١ - ٦].
وشياطين الجنّ يقومون بدور كبير في إفساد الفطرة وتدنيسها، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم، فكان مما جاء في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كلّ مال نحلته عبادي حَلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) (^٣) (^٤).
والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، الصابوني، ص: (٢٩٦).
(٢) رواه البخاري في كتاب الأحكام، حديث رقم (٦٧٥٠)، ورواه مسلم برقم (٢١٧٥).
(٣) رواه مسلم برقم، (٢٧٦٥).
(٤) العقيدة في الله، الأشقر، (٧١).
[ ٣٣ ]
(^١). (^٢) وهذا يجعل خطورته أشد؛ حتى يصل بالمسلم إلى تشكيكه في خالقه قائلًا من خلق الله، ففي الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا، حتى يقول له: من خلق ربك؟، وفي رواية أخرى: قال: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: فمن خلق الله؟) (^٣).
وقد أخبرنا ربنا ﷾ في كتابه أن للشيطان خطوات؛ لا يرضى ولا يتوقف حتى يوقع الإنسان في الكفر؛ فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]. قال ابن جرير ﵀: " اعملوا أيها المؤمنون بشرائع الإسلام كلها، وادخلوا في التصديق به قولا وعملا ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها فإنه لكم عدو مبين لكم عداوته. (^٤)
وكما أن الشيطان يوسوس فكذلك، فإن النفس توسوس بالسوء، والنفس أمّارة بالسوء إلا من رحم الله كما قال الله سبحانه في سورة يوسف ﵇: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) [يوسف: ٥٣]. قال السعدي ﵀: " ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب، فإنها مركب الشيطان، ومنها يُدْخَلُ على الإنسان ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ فنجَّاه من نفسه الأمارة، حتى صارت نفسه مطمئنة إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، متعاصِيّةٌ عن داعي الردى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده. (^٥)
_________________
(١) سبق تخريجه، ص: ٢٤
(٢) عالم الجن والشياطين، عمر بن سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ (٢٢).
(٣) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، برقم (٦٣٦٦)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، برقم (١٣٤).
(٤) جامع البيان عن تآويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، (٢/ ١١٢٢).
(٥) تيسير الكريم المنان، السعدي، ص: (٤٠٠).
[ ٣٤ ]