لكي يتضح حكم الشك في وجود الله تعالى؛ فلا بد من بيان اعتقاد السلف في حكم من شك في وجود الله تعالى، وإيضاح الرد على من احتج بشك الأنبياء، وأن الشك في وجود الله تعالى يؤدي إلى الكفر فيما يلي:
١ - اعتقاد السلف في حكم من شك في وجود الله تعالى
يعتقد السلف ﵏ أن الله تعالى موجود؛ وأنه رب العباد وخالقهم ومُوجدهم من العدم، وأنه خالق كل شيء (^١)، وأن الله تعالى ممستوي على عرشه بائن من خلقه أحاط بكل شيء علمًا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (^٢). ولهذا يقول السلف ﵏: " إثبات الله ﷿ إثبات وجود لا إثبات كيفية " (^٣).
ويعتقد السلف بأن الإيمان بالله تعالى هو أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: (الإِيمَان أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (^٤).
وبناء على ذلك فإن أول أركان من ركن الإيمان هو الإيمان بالله ﷿، ويتضمن الإيمان بالله ﷿ الإيمان بما يلي (^٥):
_________________
(١) الاعتقاد على مذهب السلف، البيهقي، ص: (٨ - ١٠)، بيان المعاني في شرح مقدمة أبي زيد القيرواني، صالح بن فوزان الفوزان، دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٣٥ هـ، الدمام، ص: (٥٠).
(٢) أصول السنة واعتقاد الدين، الإمام عبد الرحمن بن حاتم الرازي، (ت ٣٢٧ هـ)، تحقيق: أحمد فريد، طبع مع كتاب أصول السنة للإمام أحمد، دار الكتب العلمية، ١٤٢٧ هـ، بيروت، ص: (١٣٣).
(٣) جواب أبي بكر الخطيب البغدادي عن سؤال بعض أهل دمشق في الصفات، طبع بذيل كتاب اعتقاد أهل السنة للاسماعيلي، تقريظ: حماد الأنصاري، ط ٢، دار المنهاج، ١٤٣٠ هـ، الرياض، ص: (٧٢).
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان رقم (٨).
(٥) شرح أصول الإيمان، محمد بن صالح العثيمين، دار الوطن، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، الرياض، ص: ١٥ - ٢٣
[ ٢٢ ]
أ - الإيمان بوجوده، أي: أنه موجود ﷾.
ب - الإيمان بربوبيته، أي: أنه سبحانه هو الرب لا شريك له ولا معين.
ت - الإيمان بألوهيته، أي: أنه الإله الحق لا شريك له.
ث - الإيمان بأسمائه وصفاته، أي: إثبات ما أثبتع الله تعالى في كتابه، أو أثبته رسوله ﷺ في سنته من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
وأما الشك في وجود الله تعالى فيرى السلف أنه كفر بالله ﷾، وهو ما يسمونه كفر الشك، (^١) وهو التردد، وعدم الجزم بصدق الرسل، ويقال له كفر الظن، وهو ضد الجزم
_________________
(١) قسم العلماء الكفر إلى عدة أقسام تندرج تحتها كثير من صور الشرك وأنواعه وهي: ١) كفر الجحود والتكذيب: وهذا الكفر تارة يكون تكذيبًا بالقلب ــ وتارة يكون تكذيبا باللسان أو الجوارح وذلك بكتمان الحق وعدم الانقياد له ظاهرا مع العلم به ومعرفته باطنًا، ككفر اليهود بمحمد ﷺ فقد قال الله تعالى عنهم: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) [البقرة: ٨٩] وقال سبحانه أيضا: (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (البقرة: ١٤٦) وذلك أن التكذيب لا يتحقق إلا ممن علمَ الحقَّ فرده ولهذا نفى الله أن يكون تكذيب الكفار للرسول ﷺ على الحقيقة والباطن وإنما باللسان فقط؛ فقال تعالى: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الأنعام/ ٣٣ وقال عن فرعون وقومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [النمل/ ١٤]، ويلحق بهذا الكفر كفر الاستحلال فمن استحل ما عَلِم من الشرع حرمته فقد كذَّب الرسول ﷺ فيما جاء به، وكذلك من حَرَّم ما عَلِم من الشرع حِله. [(أعلام السنة المنشورة ١٧٧) و(نواقض الإيمان القولية والعملية، عبد العزيز آل عبد اللطيف (٣٦ – ٤٦)، ضوابط التكفير، عبد الله القرني (١٨٣ – ١٩٦)] ٢) كفر الإعراض والاستكبار: ككفر إبليس إذ يقول الله تعالى فيه: (إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة/ ٣٤]. وكما قال تعالى: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) النور/ ٤٧ فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان أتى بالقول. فتبين أن كفر الإعراض هو: ترك الحق لا يتعلمه ولا يعمل به سواء كان قولا أو عملا أو اعتقادا. يقول تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) [الأحقاف/ ٣] فمن أعرض عما جاء به الرسول ﷺ بالقول كمن قال لا أتبعه، أو بالفعل كمن أعرض وهرب من سماع الحق الذي جاء به أو وضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع، أو سمعه لكنه أعرض بقلبه عن الإيمان به، وبجوارحه عن العمل فقد كفرَ كُفْر إعراض. ٣) كفر النفاق: وهو ما كان بعدم تصديق القلب وعمله، مع الانقياد ظاهرا رئاء الناس ككفر ابن سلول وسائر المنافقين الذين قال الله تعالى عنهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ .. الخ الآيات) البقرة/ ٨–٢٠ ٤) كفر الشك والريبة: وهو التردد في اتباع الحق أو التردد في كونه حقًا، لأن المطلوب هو اليقين بأن ما جاء به الرسول حق لا مرية فيه، فمن جوَّز أن يكون ما جاء به ليس حقا ًفقد كفر؛ كفر الشك أو الظن كما قال تعالى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف: ٣٥ - ٣٨].
[ ٢٣ ]
واليقين. وقد يعبر عنه السلف بالنية؛ قال ابن مندة ﵀ (^١): " ذكر وجوب النية للإسلام والإيمان بالله وحده لا شريك له " (^٢).
والدليل على كفر الشك قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ الساعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَواكَ رَجُلًا لَكِنا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٨]. قال ابن جرير الطبري ﵀: " ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وظلمه نفسه: كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه، وقوله: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ يقول جلّ ثناؤه: قال لما عاين جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار المطردة شكًا في المعاد إلى الله: ما أظنّ أن تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تَخْرب، وما أظنّ الساعة التي وعد الله خلقه الحشر فيها
_________________
(١) هو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يحي بن مندة، ولد في سنة عشر وثلاثمائة أو إحدى عشر وثلاثمائة بأصبهان، ونشأ نشأة علمية فوالده وجده أئمة، رحل في طلب العلم إلى نيسابور والعراق والمدينة وغيرها، توفي سنة ٣٩٥ هـ، (مقدمة كتاب الإيمان، ابن مندة، مرجع سابق، (١/ ٢٢ - ٥١).
(٢) كتاب الإيمان، ابن مندة، (١/ ١٥٤).
[ ٢٤ ]
تقوم فتحدث، ثم تمنى أمنية أخرى على شكّ منه، فقال: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي) فرجعت إليه، وهو غير موقن أنه راجع إليه " (^١)
ومن الأدلة الواضحة كذلك على كفر من شك في وجود الله ﷿ قول الله ﷾: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠]، قال ابن كثير: أفي الله شك؟ وهذا يحتمل شيئين؛ أحدهما؛ أفي وجوده شك، إن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده; ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه (فاطر السماوات والأرض) الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه.
والمعنى الثاني في قولهم: (أفي الله شك) أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو، وحده لا شريك له; فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى " (^٢).
والسلف ﵏ لا يفرقون بين من شك في الله، أو في الملائكة، أو في الرسل، أو في البعث، أو في الجنة، أو في النار، أو في شيء مما بلغه عن خبر الله وخبر رسوله ﷺ: فيقولون هو كافر، ويستدلون على ذلك بما رواه أبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القران، محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد عبد الرزاق البكري وآخرون، دار السلام، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ، القاهرة (٧/ ٥٣٥٠).
(٢) تفسير القران العظيم، ابن كثير، (٢/ ٦٩١).
[ ٢٥ ]
فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ (^١). وبما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه ِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) (^٢). فسبب الكفر هنا هو الشك فالحديث الأول دل على أن من شروط لا إله إلا الله؛ اليقين المنافي للشك (^٣)، وأما الحديث الثاني فيدل على يقين المؤمن بشهادة أن محمدًا رسول الله، إذا يقال له: (قد علمنا إن كنت لموقنًا به، وأما المنافق فهو شاك محتار؛ ولذلك يقول: (سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته). ويدل على ذلك أيضًا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أن النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ عن الميت: (وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ، فَزِعًا مَشْعُوفًا، فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا، فَقُلْتُهُ، … إلى أن قال ﵊: فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى). (^٤)
ومن الأدلة كذلك على كفر من شك بالله تعالى، هو عدم اليقين بما جاء في كتاب الله تعالى، فإن ذلك تكذيب للقرآن الكريم الذي هو كلام الله تعالى، ومن كذب الله تعالى فلا شك في كفره. (^٥) والنبي ﷺ هو المبلغ عن ربه ﷿ فمن شك في
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب مَنْ لَقِي اللَّهَ بِالْإِيمَانِ وَهُو غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَحُرِّمَ عَلَى النَّارِ (٢٧).
(٢) رواه البخاري في كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، حديث رقم (٨٦)، ورواه مسلم في كِتَاب الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، حديث رقم (٩٦٣).
(٣) ذكر أهل العلم أن ل لاإله إلا الله سبعة شروط وهي: (العلم - اليقين – الإخلاص – الصدق – المحبة – الانقياد – القبول (معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، حافظ بن أحمد حكمي، الطبعة الثالثة، دار ابن القيم، ١٤١٥ هـ، الدمام، ١/ ٣٢).
(٤) رواه ابن ماجة (٤٢٦٨) وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجة ".
(٥) شرح السنة، حسن بن علي بن خلف البربهاري، ط ١، دار الآثار، ١٤٢٩ هـ، القاهرة، ص: (٤٥٥).
[ ٢٦ ]
صدقه؛ فهو مكذب به، قال القاضي عياض ﵀ بعد أن ذكر بعض المكفرات -: " وكذلك من أضاف إلى نبينا ﷺ تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه، فهو كافر بإجماع " (^١).
ولذلك يرى السلف ﵏ أن من قال: لا إله إلا الله لا يدخل الجنة إلا إذا قالها غير شاك بها، وإنما متيقنًا معتقدًا بقلبه. (^٢) والشك في وجود الله من المسلم ردة عن الإسلام، فإن "الردة قد تكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، فمن اعتقد عدم وجود الله ﷿ أو شك في ذلك فإنه مرتد خارج من الإسلام" (^٣).
٢ - جواب السلف على من احتج بشك الأنبياء
فيما تقدم تبين اعتقاد السلف في حكم من شك في وجود الله تعالى، ونظرًا لأن هناك من يحتج بما حصل من بعض الأنبياء من شك كما ذكره الله تعالى عنهم كإبراهيم، ولوط، ويوسف ﵈ (^٤)، فإن هذه الحجة ليست صحيحة وهي داحضة ولا يلتفت إليها، وذلك لأن جميع الأنبياء قد زكاهم الله تعالى في كتابه الكريم في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [٥٨]، وأما قول إبراهيم ﵇ كما أخبر الله تعالى عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فقد ذكر أهل
_________________
(١) الشفا، القاضي عياض، (٢/ ٦٠٨).
(٢) كتاب الإيمان، ابن مندة، (١/ ٢١٢ - ٢٢٧).
(٣) العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي، مدحت بن الحسن ال فراج، مكتبة الرشد، ط ٦، ١٤٢٨ هـ، الرياض، ص: (٢٠٦).
(٤) كتاب الإيمان، ابن مندة، مرجع سابق (١/ ٤٨٨ - ٤٨٩).
[ ٢٧ ]
العلم أن ذلك من الوساوس التي تأتي الإنسان وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لا يؤثر على اليقين، وعلى هذا بوب ابن مندة ﵀ في كتاب الإيمان بقوله: ذكر درجات الأنبياء في الوساوس مع اليقين، قال ابن حجر ﵀: " واختلف السلف في المراد بالشك هنا، فحمله بعضهم على ظاهره وقال: كان ذلك قبل النبوة، وحمله أيضا الطبري على ظاهره وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر ولا زلزلت الإيمان الثابت. عن ابن عباس ﵄ قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية، قال ابن عباس: هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم ﵇ بأن قال: بلى. وذهب آخرون إلى تأويل ذلك، قال " لما اتخذ الله إبراهيم خليلا استأذنه ملك الموت أن يبشره فأذن له " فذكر قصة معه في كيفية قبض روح الكافر والمؤمن، قال " فقام إبراهيم يدعو ربه: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك " وفي رواية قال " ليطمئن قلبي بالخلة " وعن سعيد بن جبير قال: ليطمئن قلبي أني خليلك " وعن ابن عباس " لأعلم أنك أجبت دعائي، ثم اختلفوا في معنى قوله ﷺ نحن أحق بالشك فقال بعضهم: معناه نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم، وقيل معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي لو كان الشك متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به منهم، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه لم يشك. وإنما قال ذلك تواضعا منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، وقيل: معناه هذا الذي ترون أنه شك أنا أولى به لأنه ليس بشك إنما هو طلب لمزيد البيان، وله: (قال أولم تؤمن) الاستفهام للتقرير، ووجهه أنه طلب الكيفية وهو مشعر بالتصديق بالإحياء. قوله: (بلى ولكن ليطمئن قلبي) أي ليزيد سكونا بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب، لأن
[ ٢٨ ]
تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال أنا مصدق، ولكن للعيان لطيف معنى. وقال عياض: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيي الموتى، ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته، ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين وإن لم يكن في الأول شك لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين والله أعلم. " (^١). وأما ما قيل عن شك لوط ﵇ في قدرة الله ﷿؛ فقال ابن حجر ﵀ مفندًا ذلك: "قوله: (يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد) (^٢) أي إلى الله ﷾، ويشير ﷺ إلى قوله تعالى: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ويقال إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه لأنهم من سدوم وهي من الشام وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط، فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفاني" (^٣). قال ﵀: " وله: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث، يوسف لأجبت الداعي) (^٤) أي أسرعت الإجابة في الخروج من السجن ولما قدمت طلب البراءة، فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج وإنما قاله ﷺ تواضعا، والتواضع لا يحط مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالا، وقيل هو من جنس قوله لا تفضلوني على يونس وقد قيل إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع ". (^٥)
_________________
(١) فتح الباري، ابن حجر، (٦/ ٤٩٨ - ٥٠٠).
(٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ولوطا إذ قال لقومه، حديث رقم (٣٣٣٧٥).
(٣) فتح الباري، ابن حجر، (٦/ ٥٠٣ - ٥٠٤).
(٤) رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ونبئهم عن ضيف إبراهيم، برقم (٣٣٧٢) ورواه مسلم في كتاب الفضائل في باب من فضائل إبراهيم الخليل ﵇، حديث رقم (٢٣٦٩).
(٥) فتح الباري، ابن حجر (٦/ ٥٠٠).
[ ٢٩ ]