حقيقة وجود الله ﷿ هي حقيقة ثابتة عند السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فالأصل عندهم اليقين بوجود الله ﷿ بخلاف الفرق المنحرفة من أهل الكلام؛ ومن وافقهم قديما؛ وفي عصرنا الحاضر، فإن الأصل عندهم الشك وليس اليقين، خلافًا للسلف الصالح أهل السنة والجماعة " وقد وجد الانحراف في تقرير وجود الله تعالى عند الجهمية والمبتدعة، نتيجة عن التأثر بالزنادقة والهنود السمنية، اتسع انحراف المتكلمين من المعتزلة (^١) وغيرهم، فاشترطوا النظر والاستدلال، والشك لحصول العلم بالصانع بزعمهم، وقد فند شيخ الإسلام
_________________
(١) المعتزلة هي فرقة ضالة خالفوا قول الأمة في مرتكب الكبيرة بزعامة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد في زمن الحسن البصري، ويعتقد المعتزلة بأصول خمسة يخالفون فيها أهل السنة والجماعة، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يرون من خلالها الخروج على الحاكم وقتاله. (فرق معاصرة تنتسب للإسلام وبيان موقف الإسلام منها، دكتور غالب بن علي عواجي، المكتبة العصرية الذهبية، ط ٥، ١٤٢٦ هـ، جدة، ٣/ ١١٦٣ -، ١١٩٨، آراء المعتزلة الأصولية دراسة وتقويمًا، الدكتور علي بن سعد بن صالح الضويحي، مكتبة الرشد، ط ٢، ١٤١٧ هـ، الرياض، ص: ٤٥ وما بعدها).
[ ١١ ]
هذا الزعم الباطل، فقال: ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين، ولا هو قول المتكلمين، ولا غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام، ابتدعه متكلمو المعتزلة، ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم، وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة، والشيعة، وغيرهم، وقالوا: بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي، لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال؛ بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله، والإقرار به لا يقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل النظر" (^١)، فالمعتزلة ومن وافقهم يرون أن أول واجب على المكلف هو النظر المؤدي للمعرفة ولذلك قالوا بوجوب الشك بينما أول واجب عند السلف هو التوحيد لأن الله تعالى أمر به، فالمعرفة تؤدي إلى التوحيد، وقد فطر الله تعالى الناس على معرفته، ونص على ذلك رسول الله ﷺ في وصيته لمعاذ عندما بعثه إلى اليمن، فقال: (وليكن أول ما تدعوهم له أن يوحدوا الله) وفي رواية: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ) (^٢). (^٣)
_________________
(١) نقض تأسيس الجهمية، شيخ الإسلام ابن تيمية، (٥/ ٤٧٣)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية، تحقيق: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ (٦/ ٣٥٠)، العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها والدفاع عنها حتى نهاية العصر الأموي، عطا الله بخيت حماد المعايطة، دار الآفاق الفكرية، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ، مصر (١٣).
(٢) البخاري، كِتَاب التَّوْحِيدِ، بَاب مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ، حديث رقم (٦٨٤٨) ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، حديث رقم (١٦).
(٣) يرى الماتريدية أن معرفة الله لا تتم بالمعرفة الضرورية الفطرية بل لا تكون إلا بالاكتساب العقلي فلذا كان من الأصول التي تنبني عليها عقيدتهم (وجوب معرفة الله بالعقل) ورتبوا على ذلك إيجاب النظر والاستدلال وجعلوه أول واجب على العبد. واختلفت الأشاعرة عباراتهم في أول واجب على المكلف بعد أن اتفقوا على أن الأمر بعبادته ليس أول واجب. فحكى الأشاعرة عن الأشعري القول بأن أول واجب على المكلف هو المعرفة. والمعرفة عندهم معناها معرفة وجود الله وتفرده بخلق العالم. وعند الباقلاني أول واجب: النظر فقال: أول ما فرض الله ﷿ على جميع العباد النظر في آياته. والثاني من فرائض الله ﷿ على جميع العباد الإيمان به والإقرار بكتبه ورسله، والمراد بالنظر عندهم: ترتيب أمرين معلومين ليتوصل بترتيبهما على علم مجهول. (مجموع الفتاوى، (٢/ ٣٧٠٣٨)، درء تعارض العقل والنقل، (٨/ ٨).
[ ١٢ ]
ولذلك يعبر عنه السلف بالمعرفة أي معرفة الله ﷿ ولهذا يقول السفاريني (^١) في الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية:
أول واجب على العبيد معرفة الإله بالتسديد (^٢)
قال الشيخ محمد العثيمين ﵀ معلقًا على ذلك: " فالصحيح ما قاله المؤلف ﵀ أن أول واجب معرفة الله، أما النظر فلا نقول إنه واجب، ولكن لو فرض أن الإنسان احتاج للنظر فحينئذ يجب عليه النظر ". (^٣)
ولقد دلت الأدلة الكثيرة جدًا على ما ذهب إليه السلف وأن الله تعالى موجود، سواء كان الدليل من الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، أو كان الدليل من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه ﵊، أو كان الدليل دليلًا عقليًا، أو كان دليلًا حسيًا، والأصل في ذلك عند السلف رحمهم الله تعالى هو الدليل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، ثم تأتي بقية الأدلة للاستئناس بها، ويمكن إيضاح ذلك فيما يلي:
_________________
(١) هو الإمام الحبر الهمام العلامة محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني، النابلسي الحنبلي، صاحب التصانيف المشهورة، ولد بقرية سفّارين من قرى نابلس سنة ١١١٤ هـ، وتلا القرآن العظيم ثم رحل إلى دمشق لطلب العلم فأخذ العلم عن العديد من المشايخ، وله العديد من المؤلفات ومنها: شرح ثلاثيات مسند أحمد، وشرح نونية الصرصيري، وتحبير الوفاء في سيرة المصطفى، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، وغيرها، توفي ﵀ عام ١١٨٨ هـ وهو على معتقد أهل السنة والجماعة لكن عليه بعض المآخذ لتأثره ببعض عبارات أهل الكلام مثل قوله: (القرآن كلام الله القديم) وقوله: وسائر صفاته الفعلية من الاستواء والنزول والإتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة لله تعالى ليس شيء منها محدث) ومثل حديثه حول تفويض الكلام وهذا لا يقدح في علمه رحمه الله تعالى فهو على عقيدة السلف الصالح. (عبد الرحمن بن قاسم، مقدمة حاشية الدرة المضية للسفاريني، ٥ - ٦، لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السُنّيّة شرح قصيدة أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية، محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، تحقيق: الدكتور عبد الله بن محمد بن سليمان البصيري، مكتبة الرشد، ط ١، ١٤٢١ هـ، الرياض، ١/ ٥٠ - ٥٣).
(٢) شرح العقيدة السفارينية ٠ الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية)، محمد بن صالح العثيمين، مدار الوطن، ط ٢، ١٤٣٤ هـ، الرياض، ص: ١٤٧.
(٣) المرجع السابق، ص: ١٤٩
[ ١٣ ]