الوسواس يعرض للمسلم في كل أحيانه، لا سيما في عقيدته، فتوسوس له نفسه او يوسوس له الشيطان، ولا يزال الشيطان بالإنسان يوسوس له، ويحاول إضلاله كما قال الله ﷾: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: ٢١].
وهذا يدل على أن الشيطان لا يزال يحاول بالمسلم حتى يصل به إلى محاولة التشكيك في وجود الله ﷿، إضافة إلى وسوسة النفس الأمارة بالسوء، مما يوقع المسلم في الحرج والقلق؛ لا سيما في هذا الأمر العظيم؛ مما يستدعي البحث عن علاج لهذا الوسواس الذي لا يكاد يسلم منه أحد، ويمكن علاج الوسواس في وجود الله ﷿؛ من خلال فعل الأمور التالية:
١ - الانتهاء وقطع الوسوسة: " فإن الله تعالى جعل للأفكار والعقول حدا تنتهي إليه، ولا تتجاوزه. ويستحيل لو حاولت مجاوزته أن تستطيع، لأنه محال، ومحاولة المحال
[ ٤١ ]
من الباطل والسفه، ومن أمحل المحال التسلسل في المؤثرين والفاعلين، فإن المخلوقات لها ابتداء، ولها انتهاء. وقد تتسلسل في كثير من أمورها حتى تنتهي إلى الله الذي أوجدها وأوجد ما فيها من الصفات والمواد والعناصر ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] فإذا وصلت العقول إلى الله تعالى وقفت وانتهت، فإنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء. فأوليته تعالى لا مبتدأ لها مهما فرضت " (^١). وكذلك إذا حصلت له الوسوسة، فليقطعها ويتوقف ولا يسترسل لقول النبي ﷺ: (فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته). (^٢) قال ابن حجر: " فليستعذ بالله ولينته أي يترك التفكر في ذلك الخاطر ويستعيذ بالله إذا لم يزل عنه التفكر، الحكمة في ذلك ان العلم باستغناء الله تعالى عن كل ما يوسوسه الشيطان أمر ضروري لا يحتاج للاحتجاج والمناظرة فإن وقع شيء من ذلك فهو من وسوسة الشيطان وهي غير متناهية فمهما عورض بحجة يجد مسلكًا آخر من المغالطة والاسترسال فيضيع الوقت إن سلم من فتنته فلا تدبير في دفعه أقوى من الإلجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة به. (^٣)
٢ - أن يدفعه بما يضاده من الإيمان بالله ورسله، فيقول المسلم: آمنت بالله، أو يقول: الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوًا أحد، لقول النبي الكريم ﷺ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: (آمنت بالله)، وفي رواية: (آمنت بالله ورسله) (^٤)، وقال ﵊: فإذا قال ذلك،
_________________
(١) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ط ٤، ١٤٢٣ هـ، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، (١٨).
(٢) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، حديث رقم (٣١٠٢)، مسلم في الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها رقم (١٣٦ (.
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ، (١٣/ ٢٧٣).
(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، حديث رقم (١٣٤).
[ ٤٢ ]
فقولوا: الله أحد. الله الصمد لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوًا أحد) (^١). فإن الله ﷿ ورسله الكرام؛ أخبروا بأنه تعالى الأول الذي ليس قبله شيء، وأنه تعالى المتفرد بالوحدانية، وبالخلق والإيجاد للموجودات السابقة واللاحقة. فهذا الإيمان الصحيح الصادق اليقيني يدفع جميع ما يضاده من الشبه المنافية له، فإن الحق يدفع الباطل، والشكوك لا تعارض اليقين. (^٢)
٣ - أن يتفل المسلم عن يساره، ويستعيذ من الشيطان، فقد أخبرنا نبينا ﷺ بهذا العلاج فقال: (ثم ليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ من الشيطان). (^٣) فاستعاذته بالله من الشيطان، لإن هذا من وساوسه وإلقائه في القلوب; ليشكك الناس في الإيمان بربهم. فعلى العبد إذا وجد ذلك: أن يستعيذ بالله منه، فمن تعوذ بالله بصدق وقوة أعاذه الله وطرد عنه الشيطان، واضمحلت وساوسه الباطلة (^٤).
وأن يكون المسلم مطمئنًا على إيمانه، ولا يترك العمل لوجود الوسوسة، لأنها لا أثر لها على الإيمان كما تقدم.
وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم أمرًا الاستعاذة به سبحانه من الشيطان ومبينًا لعباده أنه ليس له سلطان على المؤمنين وأن سلطانه على الذين يتولونه فإذا قرأت القرآن
_________________
(١) رواه أبو داود في السنن، في كتاب السنة، باب في الجهمية برقم (٤٧٢٢)، ورواه النسائي في باب الوسوسة برقم (١٠٤٩٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٨١٨٢)، (صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ).
(٢) السنة، أبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، تحقيق: أ. د. باسم فيصل الجوابرة، دار الصميعي، ط ٢، ١٤٢٦ هـ، الرياض، (١/ ٤٥ - ٤٥٥)، بهجة قلوب الأبرار، السعدي، (١٩).
(٣) رواه أبو داود في السنن، في كتاب السنة، باب في الجهمية برقم (٤٧٢٢)، ورواه النسائي في باب الوسوسة برقم (١٠٤٩٧)، وصححه الألبناني في صحيح الجامع برقم (٨١٨٢)، (صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ).
(٤) بهجة قلوب الأبرار، السعدي، (١٨).
[ ٤٣ ]
فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (٩٨) أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (٩١) ان سلطانه على الذين يقولونه والذين هم به مشركون) (النحل ٩٨ - ١٠٠)
قال ابن جرير ﵀ "إنه ليس له سلطان على الذين آمنو فأستعاذوا بالله منه كما ندب الله تعالى الاستعاذة (وعلى ربهم يتوكلون) على من عرض لهم من خطواته ووساوسه" (^١)
_________________
(١) جامع البيان الطبري، (٦/ ٥٠٥٢)
[ ٤٤ ]