الأصل أن المسلم لا يتعرض لما يشككه في دينه، سواء كان ذلك بالاطلاع على مؤلفات الكفّار، أو بمن تأثر بالفلاسفة، أو بعقيدة المعتزلة ومن وافقهم في دعوتهم لإثبات وجود الله تعالى بالشك كما تقدم، أو بالإلحاد المعاصر ودعاته الذين يستهدفون به المسلمين (^١)، أو بما يبثه العصرانيون في كتبهم وأطروحاتهم (^٢)، أو بما يعرض في وسائل التواصل المختلفة، حفاظًا على إيمانه، وذلك من أجل أن تسلم عقيدته، وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) قال شيخنا الدكتور غالب عواجي ﵀: " أما بالنسبة لظهور الإلحاد في بلاد المسلمين؛ فإنه يعود إلى أسباب كثيرة من أهمها حالة الانبهار بظهور هذه الماديات التي ظهرت على أيدي غير المؤمنين بالله تعالى، وما أصاب قلوب ضعفاء الإيمان من انبهار تام برونق تلك الحياة الزائفة الزائلة … وعلى كل حال فقد ظهر الإلحاد بشكله الجديد المدروس كبديل لكل الأديان، وزعماؤه هم البديل الجديد عن الأنبياء والرسل، والمتمسكون بالإلحاد هم المتطورون المتقدمون، والتاركون له هم الرجعيون المتخلفون، وللباطل صولة ثم يضمحل ". [المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها، د. غالب ين علي عواجي، المكتبة العصرية الذهبية، ط ١، ١٣٢٧ هـ، جدة، ٢/ ١٠١٣ - ١٠١٤].
(٢) العصرانيون كما يطلق عليهم في عصرنا الحاضر أنكروا الغيب؛ بدعوى مواكبة العصر، وزعموا أن من أنكره لا يخرج من الإسلام، كما يقول الدكتور حسن حنفي حيث يقول: يمكن للمسلم المعاصر أن ينكر الجانب الغيبي في الدين، ويكون مسلمًا بسلوكه، ويرى زكي نجيب محفوظ أن الغيب خرافة، والإيمان به خرافة، وقد سبقهم المعتزلة فأنكر النظّام وجود الجن، ورد المعتزلة كثيرًا من العقائد الثابتة عن رسول الله ﷺ، كعذاب القبر، والإيمان بالحوض، والصراط، والميزان، والشفاعة، ورؤية الله في الدار الآخرة، وردوا الأحاديث الواردة في الصحيحين. (العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، محمد حامد الناصر، مكتبة الكوثر، ط ٢، ١٤٢٢ هـ، ص: (٣٩٥).
[ ٣٧ ]
وسلم على عمر ﵁ عندما وجد في يديه ورقات من التوراة وقال ﵊: (أمتهوكون (^١) فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني) (^٢).
وأما علاج الشك في وجود الله ﷿ عندما يوجد لدى المسلم فيكون بالتوبة إلى الله سبحانه؛ والإيمان به، واليقين التام بوجوده، والإقرار بأنه هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون، وهذا هو توحيد الربوبية، ولا يقتصر المكلف على هذا النوع من التوحيد؛ بل لا بد من توحيد الألوهية؛ وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسيره لقوله تعالى " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " [البقرة: ٢٣]. "دليل على ان الذي يرجى له الهداية من الضلالة هو الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق من الضلالة. فهذا الذي إذا بين له الحق حري باتباعه؛ ان كان صادقًا في طلب الحق، وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه فهذا لا يمكن رجوعه؛ لأنه ترك الحق بعد ما تبين له، ولم يتركه عن جهل فلا حيلة فيه، وكذلك الشاك الذي ليس بصادق في طلب الحق بل هو معرض غير مجتهد بطلبه؛ فهذا في الغالب لا يوفق. ". (^٣)
ولذلك نجد السلف يرون أن الشك والريب في العقائد بمعنى واحد، ومنهم من يفرق بينهما ويرى أن الشك أخص من الريب (^٤)، والتوبة منهما جميعًا واجبة؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب، بخلاف الشك، فإنه لا
_________________
(١) قال الحسَن: (مُتَهوِّكون) أي: مُتَحيِّرون. ذكرَه البيهقيّ في شُعَب الإيمان (١/ ١٣٢).
(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٨٧)، وحسنه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٦/ ٣٤ رقم ١٥٨٩).
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، السعدي، (٤٦).
(٤) الريب والريبة: الشك والظن والتهمة. قال القتيبي: الريبة والريب: الشك، لا ريب فيه: لا شك فيه، قال الله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) [البقرة: ١] أي: لا شك فيه (لسان العرب، ١/ ٤٤٢).
[ ٣٨ ]
يكون إلا في العلم، ولهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علمًا وعملًا ". (^١) وبذلك يكون الشك أخص من الريب، ويكون الشاك كافرًا بسبب الإخلال بشرط العلم؛ الذي هو أصل قول القلب". (^٢)
ولذلك فمن تاب من الشك، وآمن بوجود الله ﷿، وأتبع ذلك بتوحيد الله تعالى توحيد العبادة تاب الله تعالى عليه، قال القاضي عياض ﵀: "أما مفتري الكذب عليه ﵎ بادعاء الإلهية أو الرسالة أو النافي أن يكون الله خالقه أو ربه أو قال ليس لي رب أو المتكلم بما لا يعقل من ذلك في سكره أو غمرة جنونه فلا خلاف في كفر قائل ذلك ومدعيه مع سلامة عقله كما قدمناه لكنه تقبل توبته على المشهور وتنفعه إنابته وتنجيه من القتل ". (^٣)
وقد أو ضح أهل العلم أن من تاب إلى الله ﷿؛ تاب الله تعالى عليه حتى وإن كانت معصيته شركًا بالله ﷿، فباب التوبة مفتوح لكل من عصى الله إذا توفرت شروطها، قال تعالى:﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿[النساء: ١١٠]. وقال تعالى:﴾ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿[المائدة: ٣٩]. قال السعدي ﵀: " فيغفر لمن تاب فترك الذنوب، وأصلح الأعمال والعيوب، وذلك أن لله ملك السماوات والأرض، يتصرف فيها بما يشاء من التصاريف القدرية والشرعية، والمغفرة والعقوبة، بحسب ما اقتضته حكمته، رحمته الواسعة ". (^٤)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠٨، كتاب الإيمان، ص: ٢٦٨
(٢) نواقض الإيمان الإعتقادية وضوابط التكفير عن السلف، محمد بن عبد الله الوهيبي، دار المسلم، ط ٢، ١٤٢٦ هـ، الرياض، (٢/ ٧٣).
(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض اليحصبي، المكتبة العصرية، (د. ط) ١٤٢٨ هـ بيروت، (٣٩٨).
(٤) تيسير الكريم المنان، السعدي، ص: (٢٥٤).
[ ٣٩ ]
وذكر العلماء للتوبة أربعة شروط في أي ذنب يقترفه المسلم وهي كما يلي (^١):
١ - ان تكون التوبة خالصة لله تعالى.
٢ - أن يقلع عن الذنب.
٣ - وأن يندم على ما قد مضى.
٤ - وأن يعزم في المستقبل على ألا يعود إليه.
٥ - وإذا كان الأمر يتعلق بحقوق الآدميين، سواء بأموالهم، أو أعراضهم، أو أبدانهم، فعليه أن يطلب المسامحة ممن له عليه حق، أو يؤدي الحقوق إلى أهلها.
قال ابن القيم: (والظلم عند الله ﷿ يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ﷿، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوًا، فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. بخلاف ديوان الشرك؛ فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد، وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها) (^٢).
فإن أخف الدوواين يمحى بالتوبة والاستغفار والله تعالى يغفر الذنوب جميعًا بدون استثناء اذا تاب العبد وأناب
_________________
(١) رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، محيي الدين أبي زكريا النووي، دار مكتبة الحياة، ١٩٨٣ هـ، ص: (١١).
(٢) الوابل الصيب من الكلم الطيب، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث - القاهرة الطبعة الثالثة، ١٩٩٩ م، (١/ ٢٤).
[ ٤٠ ]