دل العقل السليم عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى، ووافق نصوص الشرع في ذلك ويتضح ذلك جليًا فيما يلي:
١ - دليل الخلق والإيجاد: إن هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ سَابِقُهَا وَلَاحِقُهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ خَالِقٍ أَوْجَدَهَا؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجِدَ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ صُدْفَةً. فَهِيَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجِدَ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ وُجُودِهِ كَانَ عَدَمًا؛ فَكَيْفَ يَكُونُ خَالِقًا؟! وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ صُدْفَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَلِأَنَّ وُجُودَهَا عَلَى هَذَا النِّظَامِ الْبَدِيعِ المُحْكَمِ، وَالتَّنَاسُقِ الْمُتَآلِفِ، وَالِارْتِبَاطِ الْمُلْتَحِمِ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا، وَبَيْنَ الْكَائِنَاتِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ يَمْنَعُ مَنْعًا بَاتًّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا صُدْفَةً. وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تُوجِدَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا، وَلَا أَنْ تُوجَدَ صُدْفَةً، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لَهَا مُوجِدٌ؛ وَهُوَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ وَالْبُرْهَانَ الْقَطْعِيَّ فِي سُورَةِ الطُّورِ؛ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]؛ يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ، وَلَا هُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ؛ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ خَالِقُهُمْ هُوَ اللهُ ﵎؛ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ سُورَةَ الطُّورِ فَبَلَغَ هَذِهِ
[ ١٦ ]
الْآيَاتِ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧]، وَكَانَ جُبَيْرٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا، قَال: (كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ، وَذَلِكَ أَوْلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي) (^١). (^٢) فالله ﷿ خلق المخلوقات، ومن أهمها الإنسان، الذي أوجده الله تعالى من العدم، يقول الله جل وعلا مبينا ذلك: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] " والاستدلال على الخالق بخلق الانسان في غاية الحسن والاستقامة، وهو طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية؛ دل القرآن عليها وهدى الناس إليها، وبينها وأرشد إليها " (^٣).
ولذلك دل القرآن الكريم على خلق الخلق وأن الله تعالى هو خالقهم في آيات كَثِيرَة؛ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].
ويقول ﷾ مبينًا أنه الخالق وما سواه مخلوق، ومادام أنه خالق سبحانه لكل شيء فإنه موجود جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣].
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب تفسير سورة (والطور) حديث رقم (٤٣٧٥).
(٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، (٥/ ١٠٧)
(٣) النبوات، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق الدكتور عبد العزيز الطويان، أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ، (١/ ٢٩٢).
[ ١٧ ]
٢ - دليل العناية والاتقان: عناية الله تعالى بعباده بإرسال الرسل دليل على وجوده سبحانه، فإن ما جاءت به الرسل من شرائع الله تعالى المتضمنة لجميع ما يصلح الخلق يدل على أن الذي أرسلهم بها رب رحيم حكيم، ولا سيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز البشر والجن أن يأتوا بمثله. (^١) يقول الله ﷾ مبينًا إرساله الرسل إلى عباده: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: ٢٤]. قال ابن كثير ﵀: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل ". (^٢)
ولا شك أن النظر والتدبر في السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات، وما فيها من فعل معجز وتدبير محكم وعناية واتقان؛ يدل بوضوح على وجود الرب الخالق الحكيم؛ الذي أتقن كل شيء خلقه، يقول الله جل وعلا مبينًا هذا الاتقان: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
وقد وردت آيات كثيرة تشير إلى هذا المعنى؛ ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٦ - ٨]، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ([الغاشية: ١٧ - ١٩]. " وهذه الآيات تدل على الحث على التفكر في مخلوقات الله تعالى الدالة على توحيده سبحانه، فإذا تم توحيده، لزم الإقرار بوجوده سبحانه. (^٣)
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية، محمد العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة السادسة، ١٤٢١ هـ، الدمام (٣٢ - ٣٣).
(٢) تفسير القرآن العظيم، اسماعيل بن كثير الدمشقي، دار الفيحاء- دمشق، دار السلام- الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، (٣/ ٧٢٩).
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، (٩٠٦، ٩٢٢).
[ ١٨ ]
رابعًا: دلالة الحس على وجود الله ﷿
دل الحس على وجود الله، فإن الإنسان يدعو الله ﷿، يقول: يا رب! ويدعو بالشيء، ثم يستجاب له فيه، وهذه دلالة حسية، هو نفسه لم يدع إلا الله، واستجاب الله له، رأى ذلك رأي العين. وكذلك نحن نسمع عمن سبق وعمن في عصرنا، أن الله استجاب لهم. فالأعرابي الذي دخل والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة قال: هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال أنس: والله، ما في السماء من سحاب ولا قزعة (أي: قطعة سحاب) وما بيننا وبين سلع (جبل في المدينة تأتي من جهته السحب) من بيت ولا دار. وبعد دعاء الرسول ﷺ فورًا خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء وانتشرت ورعدت، وبرقت، ونزل المطر، فما نزل الرسول ﷺ إلا والمطر يتحادر من لحيته ﵊). (^١) وهذا أمر واقع يدل على وجود الخالق دلالة حسية. وفي القرآن الكثير من الأدلة على ذلك منها قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَه .. ا﴾ لآية [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. (^٢)
ومن الادلة الحسية كذلك على وجود الله ﷿ هو مشاهدة معجزات الأنبياء، فإنها تدل على أن مرسلهم موجود ﷾، وفي القرآن الكريم ما يؤيد دلالة المعجزة على إثبات وجود الخالق ﷾، وذلك في المحاورة التي وقعت بين موسى ﵇ وفرعون الجاحد لرب العالمين حيث قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ*قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ*قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ*قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ*قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ*قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ*قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ*قَالَ فَأْتِ بِهِ
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٩٣٣)، ومسلم برقم (٨٩٧)
(٢) شرح العقيدة الواسطية، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ الدمام، (١/ ٥٦).
[ ١٩ ]
إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ*فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ*وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِين ([الشعراء: ٢٣ - ٣٣].
فهذه الآيات تبين أن فرعون أنكر الرب تعالى، وأن موسى ﵇ أقام عليه الحجة التي تعتبر دليلًا على صدق كونه رسولًا من رب العالمين، والآيات هي اليد والعصى، كما أن هناك آيات أخرى وهي، نقض الثمرات، والسنين والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وهي تسع آيات بينات (^١). وأما معجزات عيسى ﵇ فكانت متعددة يبينها قول الله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ﴾ [ال عمران: ٤٩] (^٢). وأما معجزات النبي الكريم محمد ﷺ فكثيرة؛ ولكن أعظمها معجزة القرآن الكريم. وذلك لأنها معجزة باقية على مر الزمن، ناطقة بنبوته ﵊ في كل زمان ومكان، بينما سائر المعجزات الأخرى التي أيد الله تعالى بها سائر أنبيائه قد انتهت وذهبت وأصبحت تاريخًا يُذكر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما الذين سلكوا طريق الحكمة، فلهم أيضًا مسالك؛ مثل أن يقال: إن الله ﷾ إذا بعث رسولًا أمر الناس بتصديقه وطاعته، فلا بد أن ينصب لهم دليلًا يدل على صدقه، فإن إرسال رسولًا بدون علامة وآية تعرف المرسل إليهم أنه رسول: قبحٌ، وسفه في صرائح العقول، وهو نقص في جميع الفطر ". (^٣)
_________________
(١) الرسل والرسالات، عمر بن سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح، الطبعة الأولى، الكويت، ١٤٠١ هـ (١٢٨).
(٢) الرسل والرسالات، الأشقر، (١٣٠).
(٣) النبوات، ابن تيمية، (٢/ ٨٨٩).
[ ٢٠ ]