قد يخشى كثير من المسلمين من أن الوسواس له تأثير على عقيدة المسلم، ولكن يرى علماء السلف أن الوسواس ليس له تأثير فيما إذا عالجه المسلم ولم يسترسل معه ويفعل بسببه ما يؤثر من مؤثرات أخرى تقدح في عقيدته (^١)، وقد بين لنا رسول الله ﷺ عدم تأثير الوسواس على العقيدة فقال: (الحمد لله الذي رد كيده للوسوسة) (^٢)، وقال: (فإذا عرض لأحدكم فلينته) (^٣) عن ابي هريرة "فإذا بلغه فاليستعذ بالله ولينتهي ".
فدل الحديث الأول على أن الوسواس من فعل الشيطان؛ الذي من طبيعته الوسوسة، ولذلك أمرنا الله تعالى بالاستعاذة منه فقال سبحانه في سورة الناس: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) ثم ذكر المستعاذ منه فقال: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) [الناس: ١ - ٦]. وأما الحديث الثاني فيدل على الأمر بعدم الاسترسال حتى لا يؤدي بالمسترسل إلى أمور محرمة، وهذا يدل على عدم تأثير الوسوسة على العقيدة؛ ما دام القلب مطمئن بالإيمان، قال ابن القيم ﵀: " وهذه الوسوسة قوة للقلب الحي ". (^٤)
وعندما اشتكى الصحابة ﵃ للنبي صلى الله عليه ووسلم ما كانوا يجدونه من الوسوسة؛ فقالوا: (إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) قال: أوجدتموه؟ قالوا: نعم. قال لهم) ذاك صريح الإيمان) وفي رواية: محض
_________________
(١) السنة، ابن أبي عاصم، (١/ ٤٥٥ - ٤٥٩).
(٢) رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة برقم (٦٦٧)، من طريق إسحاق بن يوسف به، وسنده حسن رجاله رجال الصحيح. رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٢٧٦) ومعلم رقم (١٣٤)
(٣) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، حديث رقم (٣١٠٢)، ومسلم في الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها رقم (١٣٦).
(٤) إغاثة اللهفان، ابن القيم، (١٠/ ١٠)، كتاب الإيمان، ابن مندة، (١/ ٤٧١)
[ ٣٥ ]
الإيمان (^١). وفي رواية: (سألنا رسول الله ﷺ عن الرجل يجد الشيء لو خرّ من السماء؛ فتخطفه الطير كان أحب إليه مما يتكلم به؛ قال: ذاك محض الإيمان، أو صريح الإيمان). (^٢)
قال النووي ﵀: " (ذلك صريح الإيمان، ومحض الإيمان) معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا وانتفت عنه الريبة والشكوك ". (^٣)
وقال ابن القيم ﵀: " فهذا دليل صريح على الإيمان، بل هذا عمل قلبي قد زاد إيمان العبد ". (^٤) " وقال البيضاوي (^٥) قوله صلى الله الله عليه وسلم: (ذاك) إشارة إلى ما دل عليه قولهم (يتعاظم) أي: يتعاظم علمكم بفساد تلك الوساوس، وامتناع نفوسكم والتجافي عن التفوه به؛ صريح الإيمان ". (^٦)
ومما يدل على أن الوسواس لا أثر له عند أهل السنة والجماعة؛ مالم يعمل العبد أو يتكلم (^٧)؛ هو قول النبي الكريم ﷺ: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها؛ مالم يتكلموا أو يعملوا به) (^٨).
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها برقم (١٣٢).
(٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها برقم (١٣٢).
(٣) شرح مسلم، النووي، (١/ ٣١٨).
(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة- مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط ٣، ١٤٠٢ هـ، (٣/ ١٩)، الإيمان معالمه وسننه واستكمال درجاته، أبو عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، دار الأرقم، ط ٢، الكويت، (٦٤).
(٥) القاضي عبد الله بن عمر البيضاوي، ولد في مدينة الدار البيضاء بفارس، وإليها نسبته، قرب شيراز، ولا تعلم سنة ولادته، وهو شافعي المذهب أشعري العقيدة، من مؤلفاته: أنوار التنزيل وأسرار التأويل - منهاج الأصول لعلم الأصول - شرح المحصول في أصول الفقه - منتهى المنى في شرح أسماء الله الحسنى - وغيرها، توفي ببلاد فارس سنة ٦٨٥ هـ (تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، عبد الله بن عمر البيضاوي، تحقيق: أ. د. محمد بن إسحاق بن محمد إبراهيم، ط ١، ١٤٢٠ هـ، الرياض (١٢ - ٢١).
(٦) تحفة الأبرار، البيضاوي، (١٣٧).
(٧) كتاب الإيمان، ابن مندة، (١/ ٤٧٥ - ٤٧٧).
(٨) رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيا في الأيمان، حديث رقم (٦٢٨٧) ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، حديث رقم (١٢٧).
[ ٣٦ ]