بطلان ما ادعاه الكاتب أن الغرباء هم حزب التحرير فقط
وأخيرًا، فقد أبى الكاتب إلا أن يختم كلامه بفرية عظيمة، افتراها على سنة النبي - ﷺ - وطعن بها المتمسكين بالإسلام على مرِّ العصور والأيام فقال لا فض فوه: [بقيت صفة أخيرة لا أحسبها تنطبق إلا على هذه الطائفة الظاهرة على الدين القائمة على أمر الله، وهي صفة الغربة والاغتراب في مجتمع سيئ تكثر فيه المعاصي، وينتشر فيه الفساد، كما هو حال المجتمع في العالم الإسلامي حاليًا، وتقوم هذه الطائفة الغريبة عن المجتمع في حال غربة الإسلام وغروبه بإصلاح فساد الأفكار، التي يدَّعي أصحابها أنها إسلامية، وما هي بإسلامية بل هي أفكار كفر، تسربت إلى المسلمين عبر الغزو الثقافي الغربي كفكرة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات وأمثالها، هذه الصفة أيضًا وردت في الحديث النبوي الشريف، فقد روى مسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء).
[ ٤٦ ]
وروى أحمد والبزار وأبو يعلى بسند رجاله رجال الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن الإيمان بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى يومئذ للغرباء إذا فسد الناس).
وفي رواية لأحمد من طريق عبد الرحمن بن سنة بلفظ: (بدأ الإسلام غريبًا ثم يعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس ).
فقد وصفت هذه الأحاديث الثلاثة المجتمع أو الناس بالفساد، ووصفت الإسلام بالغربة والاغتراب، ووصفت المتمسكين بالدين بأنهم غرباء وبأنهم صالحون، ولكن هذه الأوصاف لا تكفي للدلالة الواضحة على هذه الطائفة التي أشرنا إليها، إذ قد يتمسك بأحكام الشرع شخص أو بضعة أشخاص في زمن الفساد، فيطلق عليه أو عليهم صفة الغربة وصفة الصلاح، فكيف يصح القول إن الغرباء هم هذه الطائفة؟
والجواب على ذلك هو فيما رواه الترمذي وحسنه عن عمرو بن عوف أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الدين بدأ غريبًا ويرجع غريبًا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي). فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على نفي الغربة عن مجرد ناس متمسكين بأحكام الشرع في زمن الفساد إلا أن يكونوا عاملين على إصلاح ما أفسد الناس من الأفكار والأحكام الشرعية كما أشرنا إلى ذلك والمعلوم
[ ٤٧ ]
بداهة أن شخصًا أو بضعة أشخاص متناثرين هنا وهناك لا يقدرون على إصلاح ما فسد في المجتمع إلا أن يكونوا طائفة أي حزبًا يتولى هذه المهمة الصعبة فلكي ينطبق على المسلم ما جاء في هذه الأحاديث الأربعة يجب أن يكون ضمن طائفة أو حزب يعمل على إصلاح فساد الأفكار والأحكام في المجتمع وبدون الطائفة أو الحزب فإنه لا يستطيع فعل ذلك قطعًا فوجب صرف الثناء الوارد في هذه الأحاديث إلى كل مسلم ينتمي إلى الطائفة أو الحزب الذي يتولى مهمة إصلاح الفساد في المجتمع.
وحيث إن الأحاديث قد نوهت بالطائفة أو العصابة الظاهرة على الدين القائمة على أمر الله وأنها ستقيم دولة تقاتل الكفار فإن وصف الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنة محمد - ﷺ - والسنة هنا تعني الشريعة أي الدين - ينبغي أن يصرف إلى أعضاء هذه الطائفة أو الحزب الذي واقع أعضائه أنهم فعلًا غرباء في المجتمع المعاصر وعلى ذلك فإن الغرباء الذين لهم طوبى هم أعضاء الطائفة أو الحزب الذي نوهنا به والذي جاء ذكره في العديد من الأحاديث] ص٥٦ - ٥٨.
لقد أعظم الكاتب الفرية على سنة رسول الله - ﷺ - وحرَّف الكلم عن مواضعه وزعم أن وصف الغربة الوارد في الأحاديث ينطبق فقط على حزب التحرير، سبحانك هذا بهتان عظيم، وتعصب مقيت.
[ ٤٨ ]
إن الكاتب ليس أول من زعم هذا الزعم الباطل فقد سبقه إلى هذا غيره انظر الاعتصام للشاطبي ٢/ ١١٤ - ١١٥.
وجوابًا على هذا الافتراء على السنة النبوية أقول:
أولًا: قد ورد في روايات حديث الغرباء عدة صفات لهؤلاء الغرباء فهم: (الذين يصلحون عند فساد الناس).
(الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي).
(الذين يتمسكون بكتاب الله حين يُترك ويعملون بالسنة ).
(الذين يُحْيُون ما أمات الناس من سنتي).
(الذين يفرون بدينهم من الفتن).
(الذين إذا فسد الناس أصلحوا).
(الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله).
(وما الغرباء؟ قال: قوم صالحون قليل، في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم).
(من الغرباء؟ قال: الفرَّارون بدينهم).
(من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس ولا يمارون في دين الله).
(نزَّاع الناس).
[ ٤٩ ]
(النزَّاع من القبائل) رواه الدارمي، وهو حديث صحيح، كما قال الإمام البغوي في شرح السنة ١/ ١١٩.
والنزَّاع جمع نزيع، وهو الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته، والنزائع من الإبل: الغِراب. شرح السنة ١/ ١١٩.
قال الإمام النووي: [وأما معنى الحديث، فقال القاضي عياض ﵀ في قوله (غريبًا)، روى ابن أبي أويس عن مالك ﵀ أن معناه في المدينة، وأن الإسلام بدأ بها غريبًا وسيعود إليها. قال القاضي وظاهر الحديث العموم، وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والإخلال، حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضًا كما بدأ. وجاء في الحديث تفسير الغرباء، وهم النزاع من القبائل قال الهروي: أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى] شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٣٤.
وقال البيهقي: [(فطوبى للغرباء) المهاجرين الذين هجروا أوطانهم في الله ﷿] الزهد الكبير ٢/ ١١٨.
وقال شمس الحق آبادي: [(فطوبى للغرباء من أمتي) يريد المنفردين عن أهل زمانهم] عون المعبود ١١/ ٣٣٣.
وقال المناوي: [(فطوبى) فُعْلى من الطيب، أي فرحة وقرة عين، أو سرور وغبطة، أو الجنة أو شجرة في الجنة (للغرباء)، أي
[ ٥٠ ]
المسلمين المتمسكين، بحبله المتشبثين بذيله، الذين كانوا في أول الإسلام ويكونون في آخره، وإنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولًا وآخرًا ولزومهم دين الإسلام] فيض القدير ٢/ ٤٠٧.
وأما نفي الكاتب صفة الغربة عن شخص يتمسك بأحكام الشرع، أو بضعة أشخاص في زمن الفساد، وزعمه أنه لا يوصف بالغربة إلا طائفة أو حزب، فهذا كلام باطل يرده ظاهر الأحاديث.
فالحديث وصف الغرباء، بأنهم يصلحون ما أفسد الناس.
والحديث وصف الغرباء، بأنهم يتمسكون بالكتاب والسنة.
والحديث وصف الغرباء، بأنهم يحيون ما أماته الناس من السنة.
والحديث وصف الغرباء، بأنهم النزاع من القبائل.
فلا أدري من أين جاء الكاتب بزعمه أن الغرباء لا بد أن يكونوا ضمن حزب، وليس أي حزب، وإنما حزب التحرير فقط. أليست هذه هي النظرة الحزبية الضيقة؟ بلى وربي.
لا شك أن هذا التأويل للأحاديث، ما هو إلا من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا يستحي هذا الكاتب من قوله الباطل هذا، والذي ينفي به وجود الغرباء المتمسكين بالإسلام، على مرّ العصور والأيام، إنه الكبر والتعالي على عباد الله. إنها لمأساة أن يصدر هذا الكلام، من هذا الحزبي قصير النظر، الذي لا يرى إلا
[ ٥١ ]
نفسه وحزبه، بينما نرى علماء الأمة الراسخين في فهم معاني الحديث، يشرحون هذا الحديث بأوضح عبارة يقول التوربشتي:
[معناه - أي الحديث - إن الإسلام لما بدأ في أول وهلة نهض بإقامته والذب عنه أناس قليلون، من أشياع الرسول - ﷺ - ونزاع القبائل، فشردوهم عن البلاد، ونفروا عن عقر الديار، يصبح أحدهم معتزلًا مهجورًا، ويبيت منتبذًا وحدانًا كالغرباء، ثم يعود آخرًا إلى ما كان عليه، لا يكاد يوجد من القائلين إلا الأفراد، ويحتمل أن يكون المماثلة بين الحالة الأولى والحالة الأخيرة، لقلة من كانوا يتدينون به في الأول، وقلة من كانوا يعملون به في الآخر، فطوبى للغرباء المتمسكين بحبله المتشبثين بذيله] فتح المنان شرح كتاب الدارمي ٩/ ٦٢٥ - ٦٢٦.
وقال الإمام الطرطوشي: [ومعنى هذا الحديث، أنه لما جاء الله بالإسلام، فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته وحيّه غريبًا فيهم مستخفيًا بإسلامه، قد جفاه الأهل والعشيرة، فهو بينهم ذليل حقير خائف، يتغصص بجرع الجفاء والأذى، ثم يعود غريبًا لكثرة الأهواء المضلة والمذاهب المختلفة، حتى يبقى أهل الحقّ غرباء في الناس، لقلتهم وخوفهم على أنفسهم] الحوادث والبدع ص٣٢.
[ ٥٢ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وقوله - ﷺ -: (ثم يعود غريبًا كما بدأ)، يحتمل شيئين: أحدهما أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريبًا بينهم ثم يظهر، كما كان في أول الأمر غريبًا ثم ظهر، ولهذا قال (سيعود غريبًا كما بدأ)، وهو لما بدأ كان غريبًا لا يعرف، ثم ظهر وعرف، فكذلك يعود حتى لايعرف، ثم يظهر ويعرف، فيقل من يعرفه في أثناء الأمر، كما كان من يعرفه أولا. ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقى مسلمًا إلا قليل. وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة. وحينئذ يبعث الله ريحًا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم القيامة] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٨/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: [وكذلك بدأ غريبًا ولم يزل يقوى حتى انتشر، فهكذا يتغرب في كثير من الأمكنة والأزمنة، ثم يظهر حتى يقيمه الله ﷿، كما كان عمر بن عبد العزيز، لما ولي قد تغرب كثير من الإسلام على كثير من الناس، حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر، فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريبًا] المصدر السابق ١٨/ ٢٩٧.
وقال شيخ الإسلام أيضًا: [وقد تكون الغربة في بعض شرائعه وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة، ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من
[ ٥٣ ]
شرائعه، ما يصير به غريبًا بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد، ومع هذا فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر الله ورسوله فإن إظهاره والأمر به والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة والأعوان] المصدر السابق ١٨/ ٢٩٨.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز يرحمه الله [ما معنى (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ)؟
فأجابت: معنى (بدأ الإسلام غريبًا)، غربته بغربة أهله حيث دعا النبي - ﷺ - إلى الإسلام سرًا، فآمن به أبو بكر الصديق وزوجته خديجة ومولاه زيد، ثم أخذ يعرض الإسلام على من يثق به، فآمن به من آمن، حتى زالت الغربة وانتشر الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وفي آخر الدنيا تعود الغربة ثانية إلى دين الإسلام، فلا يكون في القبيلة إلا الرجل الواحد على دين الإسلام] فتاوى اللجنة الدائمة السعودية ٤/ ٣٢٦.
وبعد هذا العرض لأقوال أهل العلم في بيان المراد بالغرباء، يظهر لنا أن وصف الغرباء، ينطبق على كل متمسك بالكتاب وبالسنة، ويدعو لإحياء السنة النبوية، ولا يوجد أي دليل على اشتراط أن يكون ضمن جماعة، أو حزب، ولا دليل مطلقًا على أن صفة الغربة
[ ٥٤ ]
محصورة في حزب التحرير بل إن قول الكاتب: [إن الغرباء الذين لهم طوبى هم أعضاء الطائفة أو الحزب الذي نوهنا به والذي جاء ذكره في العديد من الأحاديث] ص٥٨.
إن هذا الكلام من أكذب الكذب، ومن التأويل الباطل لكلام سيد المرسلين، وتعدٍ سافرٍ على سنة المصطفى - ﷺ -، وتعدٍ على أمة الإسلام المنتشرة في أصقاع الأرض، والتي تزيد على مليار مسلم، فلم يعدها شيئًا، وانتقاصٍ من قدْر الأفراد والجماعات العديدة التي تعمل جادة مخلصة ومجاهدة لنصرة الإسلام، فالكاتب لم يرَ هؤلاء المسلمين شيئًا ورأى فقط أتباع حزبه، الذين لا يكادون يعدون شيئًا، إلا كما تعد الشعرة الواحدة في جلد الثور الضخم!!!
وإن هذا الكلام الذي هذى به الكاتب، ما هو إلا نتيجة الكبر والغرور، والتعالي والتعصب الحزبي المقيت، وقصر النظر وسوء الظن بالأمة المسلمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن الغرباء، هم المتمسكون بالسنة النبوية، على مرّ العصور والأيام. قال القرطبي: [إن قرنه - ﷺ - إنما فُضِّل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم، لكثرة الكفار، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه الأمة، إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم، في حين ظهور الشر والفسق، والهرج والمعاصي والكبائر،
[ ٥٥ ]
كانوا عند ذلك أيضًا غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت، كما زكت أعمال أوائلهم، ومما يشهد لهذا قوله ﵊: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء] تفسير القرطبي ٤/ ١٧٢.
[ ٥٦ ]
الخاتمة