تقدم لنا أن التعارض الحقيقى بين الأحاديث الصحيحة لا يمكن أن يكون، وأن التعارض الموجود إنما هو في ظاهر الأمر وفي نظر المجتهد، وفيما يلي أذكر جملة من أسباب وجود هذا التعارض الظاهري:
أولًا: أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه -ﷺ-، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا، فالثقة يغلط.
ثانيًا: أن يُخبر الرسول -ﷺ- عن شيء فيأتي أحد الرواة بِهذا الخبر كاملًا،
_________________
(١) انظر هذه الأدلة وغيرها في الموافقات للشاطبى (٤/ ٨٥ - ٨٩) والتعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية للبرزنجي (٤٦ - ٤٩) ومنهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث للسوسوة (٧٢ - ٨٠) ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي حسن (١/ ٣٣٧ - ٣٤٥).
[ ٣٨ ]
ويأتي به آخر مختصرًا، ويأتي ثالث ببعض معناه دون بعض، فيُظن بسبب ذلك التناقض والاختلاف بين هذه الأخبار.
ثالثًا: أن الرجل قد يحدث عنه -ﷺ- بذكر الجواب دون السؤال الذي بمعرفته يزول الإشكال وينتفى التعارض والاختلاف.
رابعًا: أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر فيجهل البعض التناسخ بينهما فيظن ويتوهم أن بينهما تعارضًا واختلافًا، بينما الأمر على خلاف ذلك، فإذا عُرف أن أحدهما ناسخ للآخر زال التعارض وانتفى الإشكال.
خامسًا: أن يكون التعارض في فهم السامع، ونظر المجتهد لا في كلامه -ﷺ- وذلك أن النبي -ﷺ- عربي اللسان والدار فقد يقول القول عامًّا يريد به العام، وعامًّا يريد به الخاص، ومطلقًا قد قيده في موضع آخر (^١٤) .. إلخ.
قال ابن القيم: "وما يؤتى أحدٌ إلا من غلط الفهم أو غلطٍ في الرواية، متى صحت الرواية وفُهمت كما ينبغي تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق" (^١٥).
سادسًا: الجهل بسعة لسان العرب، فإن العرب تسمى الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة، كل هذا وغيره من لسان العرب وفطرته، وبلسانِها نزل القرآن وجاءت السنة، فمن جهل ذلك اختلف عنده العلم بالكتاب والسنة (^١٦).
* * *
_________________
(١) انظر: الرسالة للشافعي (٢١٣) زاد المعاد لابن القيم (٤/ ١٤٩) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (١/ ٣٢٠).
(٢) شفاء العليل (١/ ٦٧).
(٣) انظر الرسالة للشافعي (٥٢).
[ ٣٩ ]