أ - التعارض لغة: مصدر (تعارض) فهو يقتضي فاعلين فأكثر فإذا قلنا: تعارض الدليلان: كان المعنى: تشارك الدليلان في التعارض الذي وقع بينهما. وهو يُطلق في اللغة ويُستعمل لعدة معان من أهمها:
١ - المنع قال الأزهري: "والأصل فيه أن الطريق إذا اعترض فيه بناءٌ أو غيره منع السابلة من سلوكه .. وكل ما يمنعك من شغل وغيره من الأمراض فهو عارض، وقد عرض عارض أي حال حائل ومنع مانع" (^١) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ (^٢) أي: لا تجعلوا الحلف بالله معترضًا مانعًا لكم، أي بينكم وبين ما يقربكم إلى الله تعالى (^٣).
٢ - المقابلة:
قال في لسان العرب: "عارض الشيء بالشيء معارضة: قابله، وعارضت كتابي بكتابه أي قابلته" (^٤).
ومنه قوله -ﷺ-: "إن جبريل كان يعارض القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي" (^٥).
_________________
(١) تَهذيب اللغة (١/ ٤٥٤، ٤٥٥) وانظر لسان العرب (٧/ ١٧٩) كلاهما مادة (عرض).
(٢) سورة البقرة. آية (٢٢٤).
(٣) انظر القاموس المحيط (٢/ ٥١٣) مادة (العروض)، لسان العرب (٧/ ١٧٨) مادة (عرض).
(٤) لسان العرب (٧/ ١٦٧) مادة (عرض).
(٥) متفق عليه من حديث عائشة: البخاري (٣/ ١٣٢٦) ح (٣٤٢٦) ومسلم (١٦/ ٢٣٩) ح (٢٤٥٠).
[ ٢١ ]
قال ابن الأثير: "أي كان يدارسه جميع ما نزل من القرآن، من المعارضة: المقابلة" (^٦).
٣ - الظهور:
قال في لسان العرب: "عرض له أمر كذا: أي ظهر، وعرضت عليه أمر كذا: أي أظهرته له وأبرزته إليه" (^٧).
ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ (^٨).
قال أبو عبد الله القرطبي: "تقول العرب: عرضت الشىء فأعرض، أي أظهرته فظهر، ومنه: عرضت الشىء للبيع" (^٩).
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ (^١٠).
أي: أبرزناها وأظهرناها للكافرين (^١١).
ب - التعارض اصطلاحًا:
أكثر من تناول تعريف التعارض -بِهذا الإسم- الأصوليون، وأما المحدثون فإنَّهم لم يتناولوه بِهذا الإسم، وإنما تناولوه تحت اسم (مختلف الحديث) (^١٢).
وقد تعددت تعريفات الأصوليين للتعارض واختلفت عباراتُهم فيها، لكن هذا الاختلاف لا ينبني عليه اختلاف في حقيقة التعارض عندهم، لأن هذه
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢١٢).
(٢) لسان العرب (٧/ ١٦٨) مادة (عرض).
(٣) سورة البقرة. آية (٣١).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٨٣).
(٥) سورة الكهف. آية (١٠٠).
(٦) انظر جامع البيان في تأويل القرآن للطبرى (٨/ ٢٩١).
(٧) سيأتي تعريفه ص (٢٤).
[ ٢٢ ]
التعريفات متقاربة والاختلاف بينها إنما هو في الصياغة اللفظية غالبًا (^١٣).
ويمكن أن نعرف التعارض الذي هو موضوع هذا البحث -وهو التعارض بين الأحاديث- بأنه: "تقابل حديثين نبويين على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر تقابلًا ظاهرًا" (^١٤).