- أما المسلك الأول: وهو تخصيص أحاديث نفي الطيرة بحديث "الشؤم فى ثلاث" فإنه يُشكل عليه: أن أهل الجاهلية يعتقدون أنَّها مؤثرة بذاتِها وأن تأثيرها واقع لا مَحالة فمن قال بالتخصيص يلزمه إباحة هذا الاعتقاد في هذه الثلاث وهذا خطأ بيِّن، ولذلك قال القرطبي تعليقًا على هذا القول: "ولا يُظن بِمن قال هذا القول أن الذي رُخص فيه من الطيرة بِهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها، وتفعل عندها، فإنَّها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه بناءً على أن الطيرة تضر قطعًا فإن هذا خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بِها لملازمتهم إياها فمن وقع في نفسه شىء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره" (^١١).
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (٩٩)، وانظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٧٩)، ومفتاح دار السعادة (٣/ ٣٤٤)، ومعالم السنن (٤/ ٢١٩).
(٢) المفهم (٥/ ٦٢٩).
[ ١٢٩ ]
كما أن تطير أهل الجاهلية يكون -أحيانًا- قبل إقدامهم على الشيء، فمن قال بالتخصيص أو الاستثناء المتصل لزمه إباحة هذا التطير في هذه الأشياء وهذا فيه بعد لا يخفى.
- وأما القول الأول من المسلك الثاني: وهو أن حديث "الشؤم في ثلاث" سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك: فإنه تأويل ضعيف لا تدل عليه الأحاديث الصحيحة ولا تُجوِّزه مقاصد الشريعة.
ولذلك قال ابن حجر بعد ذكره لهذا القول: "وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها يبعد هذا التأويل" (^١٢).
وقال ابن العربي: "هذا جواب ساقط لأنه -ﷺ- لم يبعث ليخبر عن الناس بِما كانوا يعتقدونه وإنما بعث ليعلم الناس ما يلزمهم أن يعلموه ويعتقدوه" (^١٣).
- وأما القول الثاني: وهو أن حديث "الشؤم في ثلاث" إخبار منه -ﷺ- عن الأسباب المثيرة للطيرة لنأخذ الحذر منها: فإنه تأويل بعيد لأنه -ﷺ- أخبر أن الشؤم واقع فيها لا أَنَّها مسببة للشؤم ومثيرة له.
- وكذلك القول الثالث: فإنه بعيد جدًّا عن مدلول الحديث وتأويل ظاهر التكلف.
- وأما القول الرابع: وهو أن شؤم هذه الأشياء إنما يلحق من تشاءم بِها: فليس بمسلَّم لأن شؤمها قد يلحق -أيضًا- من لم يتشاءم بِها كما في حديث الرجل الذي شكا إلى الرسول -ﷺ- قلَّة المال والعدد بعد تحوله إلى دار
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٦١).
(٢) عارضة الأحوذي (١٠/ ٢٦٤)
[ ١٣٠ ]
أخرى فقال له -ﷺ-: "ذروها ذميمة".
- وأما القول الخامس والسادس فمتقاربان، غير أن الخامس فيه تفسير الشؤم وذكر صور معينة له بخلاف السادس فإنه لم يخص الشؤم بصور معينة وإنما ذكره مجملًا.
وتقدم أن هذا القول -أعنى السادس- هو أقرب الأقوال.