وقد سلكه فريقان من الناس:
أ - فريق رد أحاديث الشؤم وأنكرها أصلًا وخطَّأَ الراوي لها، وعلى رأس هؤلاء أم المؤمنين عائشة ﵂.
فقد أخرج الإمام أحمد والطحاوي وغيرهما: أنه دخل رجلان من بني عامر على عائشة ﵂ فأخبراها أن أبا هريرة يحدث عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن الطيرة في المرأة والدار والفرس" فغضبت وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض فقالت: والذي أنزل الفرقان على محمد ما قالها رسول الله -ﷺ- قط، إنما قال: "أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك" (^٢٩).
وفي روايةٍ لأحمد: فأنكرت عائشة ﵂ ذلك وقالت: والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم ما هكذا كان يقول ولكن نبي الله -ﷺ- كان يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في المرأة والدار والدابة" ثم قرأت عائشة:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٣٠).
_________________
(١) سورة الحديد، آية: (٢٢).
(٢) أخرجه أحمد (٧/ ٢١٥، ٣٤٣، ٣٥٠) والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٢٣٣) وفي شرح معاني الآثار (٤/ ٣١٤) والحاكم (٢/ ٥٢١) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وابن خزيمة كما في الفتح (٦/ ٦١) وابن جرير الطبري في تَهذيب الآثار (١/ ١٤)، ح (٣٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٨٨)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٧٢٥)، ح (٩٩٣).
(٣) المسند (٧/ ٣٥٠) وقال الهيثمى في المجمع (١/ ١٠٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ١٢٢ ]
وروى أبو داود الطيالسى في مسنده عن مكحول قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "الشؤم في ثلاث .. " فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، لأنه دخل ورسول الله -ﷺ- يقول: "قاتل الله اليهود يقولون: الشؤم في ثلاث: .. " فسمع أبو هريرة آخر الحديث ولم يسمع أوله (^٣١).
ويشهد لهذا الإنكار من عائشة ﵂ ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أنه سُئل: سمعتَ من رسول الله -ﷺ- يقول: "الطيرة في ثلاث: في المسكن والفرس والمرأة"؟ قال: كنت أقول على رسول الله -ﷺ- ما لم يقل، ولكن سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "أصدق الطيرة الفأل، والعين حق" (^٣٢).
ب - وأما الفريق الآخر فلم يردوا أحاديث الشؤم بكاملها، وإنما ردوا رواية الجزم "الشؤم في ثلاث .. " وغلطوا الراوي فيها وقدموا عليها رواية التعليق "إن كان الشؤم في شيء ففي .. "، ومن هؤلاء: الطحاوي والطبري وابن عبد البر عليهم رحمة الله، وتبعهم في ذلك الألباني.
قال الطحاوي بعد إيراده لحديث الشؤم: "فلم يخبر أنَّها فيهن وإنما قال: "إن تكن في شيء ففيهن" أي لو كانت تكون في شىء لكانت في هؤلاء، فإذا لم تكن في هولاء الثلاثة فليست في شىء" (^٣٣).
وقال الطبري: "وأما قوله -ﷺ-: "إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس" فإنه لم يثبت بذلك صحة الطيرة، بل إنما أخبر -ﷺ- أن ذلك
_________________
(١) رواه أبو داود الطيالسي ح (١٥٣٧)، قال ابن حجر في الفتح (٦/ ٦١): "مكحول لم يسمع من عائشة فهو منقطع".
(٢) رواه أحمد (١٤/ ٢٦٦)، ح (٧٨٧٠) وضعف إسناده أحمد شاكر لأن فيه أبا معشر وهو ضعيف.
(٣) شرخ معاني الآثار (٤/ ٣١٤).
[ ١٢٣ ]
إن كان في شيء ففي هذه الثلاث، وذلك إلى النفي أقرب منه إلى الإيجاب لأن قول القائل: إن كان في هذه الدار أحد فزيد، غير إثبات منه أن فيها زيدًا، بل ذلك من النفى أن يكون فيها زيد أقرب منه إلى الإثبات أن فيها زيدًا" (^٣٤).
وقال ابن عبد البر: "فلم يقطع -ﷺ- في هذا الحديث بالشؤم" وقال أيضًا: "وأما قوله في هذا الحديث: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس" فهو عندنا على غير ظاهره" وقال: "فقوله -ﷺ-: "لا طيرة" نفى عن التشاؤم والتطير بشيء من الأشياء، وهذا القول أشبه بأصول شريعته -ﷺ- من حديث الشؤم (^٣٥).
وقال الألباني بعد ذكره لرواية التعليق: "والحديث يعطي بمفهومه أن لا شؤم في شيء لأن معناه: لو كان الشؤم ثابتًا في شيءٍ ما لكان فى هذه الثلاثة، لكنه ليس ثابتًا في شىءٍ أصلًا.
وعليه فما في بعض الروايات بلفظ "الشؤم في ثلاثة" أو "إنما الشؤم في ثلاثة" فهو اختصار وتصرف من بعض الرواة" (^٣٦).
وقال أيضًا عن رواية الجزم "الشؤم في ثلاث": "فهو بِهذا اللفظ شاذ مرجوح" (^٣٧)
واستدل أصحاب هذا القول بما يلى: -
١ - نفيه -ﷺ- للطيرة -كما تقدم- وترغيبه في تركها بقوله: "يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب؛ وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا
_________________
(١) تَهذيب الآثار (١/ ٣١).
(٢) التمهيد (٩/ ٢٨٣، ٢٨٤).
(٣) السلسلة الصحيحة (١/ ٧٢٧).
(٤) السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٦٥).
[ ١٢٤ ]
يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون" (^٣٨) " (^٣٩).
٢ - قوله -ﷺ-: "لا شؤم وقد يكون اليُمن في ثلاثة: في المرأة والفرس والدار" (^٤٠).
قال ابن عبد البر عن هذا الحديث: "وهذا أشبه في الأصول لأن الآثار ثابتة عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا طيرة ولا شؤم ولا عدوى .. " " (^٤١).
وقال الطحاوي عن هذا الحديث أيضًا: "وفي ذلك تحقيق ما ذكرناه من انتفاء إثبات الشؤم في هذه الأشياء" (^٤٢).
٣ - إنكار عائشة ﵂ لحديث الشؤم، فقالوا: إن رواية عائشة أولى من رواية غيرها لأَنَّها حفظت ما لم يحفظه غيرها لا سيما وقد روي عن النبي -ﷺ- ما يفيد نفى الطيرة (^٤٣).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٢١٥٨)، ح (٥٣٧٨)، ومسلم (٣/ ٩٠)، ح (٢١٨).
(٢) انظر الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشى، ص (١٠٥).
(٣) رواه الترمذي (تحفة ٨/ ١١٤)، ح (٢٩٨٠) وابن ماجه (١/ ٦٤٢)، ح (١٩٩٣) والطحاوى في مشكل الآثار (١/ ٢٣٣) وضعف إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٢) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٦٥)، ح (١٩٣٠).
(٤) التمهيد (٩/ ٢٧٩).
(٥) مشكل الآثار (١/ ٢٣٣).
(٦) انظر: مشكل الآثار (١/ ٢٣٢) والسلسلة الصحيحة (٢/ ٧٢٧).
[ ١٢٥ ]