تقدم لنا أن مذهب الترجيح سلكه فريقان من الناس:
أحدهما: ردَّ أحاديث الشؤم كلها.
والآخر: ردَّ رواية الجزم فقط، وقدم عليها رواية التعليق.
أ - فأما الفريق الأول فيُجاب عن ترجيحه بما يلى:
١ - أن إنكار عائشة ﵂ لحديث: "الشؤم في ثلاث" متعقب فلا يُسلَّم لها، إذ لم يروه أبو هريرة فقط بل رواه عدد من الصحابة غيره كابن عمر وسهل بن سعد وجابر ﵃.
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٦/ ٦٢).
[ ١٣١ ]
قال ابن الجوزي: "الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها" (^١٥).
وقال ابن القيم: "والمقصود أن عائشة ﵂ ردت هذا الحديث وأنكرته وخطأت قائله، ولكن قول عائشة هذا مرجوح، ولها ﵂ اجتهاد في رد بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرها من الصحابة، وهى ﵂ لما ظنت أن هذا الحديث يقتضي إثبات الطيرة التي هي من الشرك لم يسعها غير تكذيبه ورده.
ولكن الذين رووه ممن لا يمكن رد روايتهم، ولم ينفرد بِهذا أبو هريرة وحده -ولو انفرد به فهو حافظ الأمة على الإطلاق، وكل ما رواه عن النبي -ﷺ- فهو صحيح- بل قد رواه عن النبي -ﷺ- عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ وسهل بن سعد الساعدي وجابر بن عبد الله الأنصاري ﵃ وأحاديثهم في الصحيح، فالحق أن الواجب بيان معنى هذا الحديث ومباينته للطيرة الشركية" (^١٦).
وقال ابن حجر: "ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك" (^١٧).
٢ - وأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة في عدم سماعه حديث: "الطيرة في ثلاث .. " فضعيف لا يحتج به وعلى فرض صحته فإن غيره سمع، والله أعلم.
ب) وأما ما ذهب إليه الفريق الثاني فيُجاب عنه وعن أدلته بما يلى:
_________________
(١) نقل ذلك عنه الزركشى في الإجابة ص (١٠٥).
(٢) مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٣٦).
(٣) الفتح (٦/ ٦١).
[ ١٣٢ ]
١ - أن الترجيح لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع وهو هنا غير متعذر بحمد الله.
٢ - أن رواية الجزم جاءت من عدة طرق في الصحيحين عن الزهري عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر ﵁، ولها شاهد عند الطحاوي من طريق عتبة بن مسلم عن حمزة بن عبد الله عن أبيه (^١٨) فلا سبيل إلى تغليط الراوي فيها أو وصفها بالشذوذ.
كما أنه لا منافاة بين رواية الجزم ورواية التعليق -كما تقدم- قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "لا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة، ورواية تعليقه بالشرط لا تدل على نفي رواية الجزم" (^١٩).
٣ - وأما استدلالهم بنفيه -ﷺ- للطيرة وترغيبه في تركها فإنه حق لا مرية فيه، ولكن ليس فيه ما ينافي أحاديث الشؤم إذ أنه يمكن حملها على معنى صحيح -كما تقدم-.
٤ - وأما استدلالهم بحديث "لا شؤم وقد يكون اليُمن في ثلاثة .. " فقد أجاب عنه ابن حجر فقال: "في إسناده ضعف مع مخالفته للأحاديث الصحيحة" (^٢٠).
وقال ابن رجب عن هذا الحديث: "ولكن إسناد هذه الرواية لا يقاوم ذلك الإسناد" (^٢١) يقصد أنه لا يقاوم إسناد حديث "الشؤم في ثلاث".
٥ - وأما استدلالهم بإنكار عائشة ﵂ لحديث الشؤم فقد
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار (٤/ ٣١٣) وإسناده صحيح. انظر السلسلة الصحيحة (٢/ ٧٢٦).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٢٩).
(٣) فتح الباري (٦/ ٦٢).
(٤) لطائف المعارف ص (٩٠).
[ ١٣٣ ]
سبقت الإجابة عنه والله أعلم.