ثبت عنه -ﷺ- أنه يعجبه الفأل الحسن كما ثبت عنه أنه تفاءل في وقائع كثيرة ومن ذلك يوم الحديبية فإنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي -ﷺ-: "لقد سهل لكم من أمركم" (^٢٢).
فهل يُعد هذا الفأل من الطيرة لكنه مستثنى منها أم أنه ليس كذلك؟
على قولين لأهل العلم:
القول الأول: أن الفأل من الطيرة لكنه مستثنى منها وإلى هذا ذهب ابن القيم وابن حجر عليهم رحمة الله.
واستدلوا بعدة أدلة من أهمها:
١ - حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: "لا طيرة وخيرها الفأل" قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" (^٢٣) متفق عليه.
قال ابن القيم: "وأخبر -ﷺ- في حديث أبي هريرة أن الفأل من الطيرة وهو خيرها فقال: "لا طيرة وخيرها الفأل" فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها ولكنه خيرها ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخر، ونظير هذا منعه من الرقى بالشرك وإذنه في الرقية إذا لم تكن شركًا لما فيها من المنفعة الخالية من المفسدة" (^٢٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة (٢/ ٩٧٤)، ح (٢٥٨١).
(٢) تقدم تخريجه ص (١١١).
(٣) مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٠٨).
[ ١٣٤ ]
٢ - حديث حابس التميمى أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: "والعين حق وأصدق الطيرة الفأل" (^٢٥).
قال ابن حجر تعليقًا على هذا الحديث: "ففى هذا التصريح أن الفأل من جملة الطيرة لكنه مستثنى" (^٢٦).
القول الثاني: أن الفأل ليس من الطيرة
وممن ذهب إلى هذا الكرماني فقال تعليقًا على قوله -ﷺ- في حديث أبي هريرة "وخيرها الفأل": "الإضافة لمجرد التوضيح فلا يلزم أن يكون منها" (^٢٧).
ومن أهم أدلة هذا القول:
١ - حديث أنس ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة" (^٢٨).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله -ﷺ- يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة" (^٢٩)، (^٣٠).
والخطب في هذا سهل لأن هذا الخلاف لا يترتب عليه اختلاف في حكم
_________________
(١) رواه أحمد (٦/ ٦٥)، ح (٢٠١٥٦، ٢٠١٥٧، ٢٠١٥٨)، وأبو يعلى في مسنده (٣/ ١٥٥)، ح (١٥٨٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٠٦) فيه حية بن حابس لم يرو عنه غير يحيى وبقية رجاله ثقات، ورواه البخارى في الأدب المفرد ح (٩٤٠) ص ١٩٥، وحكم عليه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص (٣٣٩) ح (٧٠١) بأنه صحيح لغيره.
(٢) الفتح (١٠/ ٢١٤).
(٣) صحيح البخارى بشرح الكرمانى (٢١/ ٣٢).
(٤) تقدم تخريجه ص (٧٩).
(٥) رواه ابن ماجه (٢/ ١١٧٠)، ح (٣٥٣٦)، وأحمد (٢/ ٦٣٦)، ح (٨١٩٢)، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٩٠)، ح (٦١٢١)، وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناده في الفتح (١٠/ ٢١٤)، وشعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان.
(٦) انظر كتاب التوكل للشيخ عبد الله الدميجي ص (٢٤٢).
[ ١٣٥ ]
الفأل بل هو على كلا القولين محمود ومشروع.