لقد نَهج البخاري رحمه الله تعالى في هذا الكتاب منهجًا فريدًا ومسلكًا متميزًا فقد بالغ في الدقة والتحري واجتهد في التثبت والتوثق، يتضح ذلك من خلال النظر في أربعة أمور:
أ - أنه انتقى أحاديث كتابه انتقاءً دقيقًا من بين عدد كبير من الأحاديث فقد قال ﵀: "أخرجت هذا الكتاب -يعني الصحيح- من زهاء ستمائة ألف حديث" (^١٢).
وقال أيضًا: "خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (٢٩).
(٢) هدى الساري (١/ ٨).
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ٩) وانظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٤٢).
[ ٥٨ ]
وبين الله تعالى" (^١٣).
ب - أنه استغرق وقتًا طويلًا في تصنيفه مما يدل على تحريه وتأنيه وعدم عجلته، قال ﵀: "صنفت كتابي (الصحيح) لست عشرة سنة" (^١٤).
ج - أنه ما وضع حديثًا في كتابه إلا اغتسل وصلى ركعتين واستخار الله تعالى، قال ﵀: "ما وضعت في كتاب (الصحيح) حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين" (^١٥).
د - أنه التزم الصحة فيما يخرجه من الأحاديث واشترط في ذلك أرقى وأعلا شروط الصحة.
قال ﵀: "ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول" (^١٦).
وأما شرطاه اللذان تميز بِهما فيما يخرجه من الأحاديث في كتابه الصحيح فهما:
١ - أن يكون الراوي قد عاصر شيخه.
٢ - أن يثبت سماع الراوي من شيخه (^١٧).
وقد قسم البخاري ﵀ كتابه هذا إلى كتب -فبدأه بكتاب: بدء الوحى وختمه بكتاب: التوحيد- وقسم الكتب إلى أبواب وذكر تحت كل باب عددًا من الأحاديث، وبلغ عدد كتبه (٩٧) كتابًا، وعدد أبوابه (٣٤٥٠) بابًا.
_________________
(١) تاريخ بغداد (٢/ ١٤) وانظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٤٨، ٤٤٩).
(٢) المصدرين السابقين نفس الجزء والصفحة.
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ٩) وانظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٤٣).
(٤) تاريخ بغداد (٢/ ٩) وانظر مقدمة ابن الصلاح (٢٢).
(٥) انظر: اختصار علوم الحديث، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (٢٣).
[ ٥٩ ]