مما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف -على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم، والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة" (^١).
ولا فرق بين إثبات هذه الصفة -الصورة- لله تعالى وبين إثبات بقية الصفات، فما يقال فيها من توهم المشابهة والمماثلة، يقال في بقية الصفات كاليدين والوجه والعين وغيرها.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٩).
[ ١٣٧ ]
قال ابن قتيبة ﵀: "والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك، لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (^١).
وقال القاضي أبو يعلى ﵀ عن هذا الحديث: "والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور، كما أطلقنا تسمية ذات ونفس لا كالذوات والنفوس" (^٢).
وقد جاءت عدة أحاديث صحيحة في إثبات الصورة لله تعالى -غير ما تقدم- ومن ذلك ما يلي:
١ - حديث أبي هريرة -﵁-: أن ناسًا قالوا لرسول الله -ﷺ-: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله -ﷺ-: (هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا يا رسول الله قال: (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول، أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه) متفق عليه (^٣).
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (٢٠٦).
(٢) إبطال التأويلات (١/ ٨١).
(٣) البخاري في مواضع: في كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم (٥/ ٢٤٠٣) ح (٦٢٠٤)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٤) ح (٧٠٠٠)، وفي كتاب صفة الصلاة، باب: فضل =
[ ١٣٨ ]
قال القاضي أبو يعلى: "اعلم أن هذا الخبر يدل على إثبات الصورة وعلى الإتيان وأنه غير ممتنع جواز إطلاق الصورة لا كالصور" (^١).
٢ - حديث أبي سعيد الخدري -﵁- في الرؤية -وهو بمعنى الحديث السابق- وفيه: (حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها ) متفق عليه (^٢).
٣ - حديث معاذ -﵁- قال: احتبس عنا رسول الله -ﷺ- ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فثوَّب بالصلاة، فصلى رسول الله -ﷺ-، وتجوَّز في صلاته، فلما سلَّم دعا بصوته فقال لنا: (على مصافكم كما أنتم)، ثم انفتل إلينا فقال: (أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، أني قمت من الليل، فتوضأت فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي، فاستثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة ) (^٣).
_________________
(١) = السجود (١/ ٢٧٧) ح (٧٧٣) لكن ليس فيه لفظ الصورة، ومسلم -واللفظ له- في كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٢١) ح (١٨٢).
(٢) إبطال التأويلات (١/ ١٥١).
(٣) البخاري: كتاب التفسير، باب: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) (٤/ ١٦٧١) ح (٤٣٠٥)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٣٠) ح (١٨٣).
(٤) هذا الحديث يعرف بحديث المنام، لأن فيه رؤية النبي -ﷺ- لربه في المنام، وقد أخرجه الترمذي (٩/ ١٠٦) ح (٣٢٨٨)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: هذا صحيح"، وانظر: العلل الكبير للترمذي (٢/ ٨٩٦)، وأخرجه أحمد في المسند (٣٦/ ٤٢٢) ح (٢٢١٠٩)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٤٠) ح (٣٢٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠٩) ح (٢١٦)، وأيضًا في (٢٠/ ١٤١) ح (٢٩٠)، والدارقطني في الرؤية (٣١١ - ٣١٣) ح (٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١)، والحاكم مختصرًا (١/ ٧٠٢). وهذا الحديث مروي عن معاذ من عدة طرق أصحها ما رواه جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلَّام عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي أنه حدثه عن مالك بن يخامر السكسكي عن معاذ بن جبل، وهي =
[ ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الطريق التي صححها الترمذي والبخاري -كما تقدم- وقال البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٧٩): "وأحسن طريق فيه رواية جهضم بن عبد الله ثم رواية موسى بن خلف". وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع، تحقيق د/ محمد البريدي (١/ ٢٦١) عن هذه الطريق: "هذه الطريق أتم الطرق إسنادًا ومتنًا". وقد جاء هذا الحديث -أيضًا- من عدة طرق عن عدد من الصحابة كابن عباس وأنس وعبد الرحمن بن عائش وأبي أمامة الباهلي وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر وثوبان وأبي هريرة وأبي رافع وجابر بن سمرة وأبي عبيدة بن الجراح، وهو بمجموع هذه الطرق حديث صحيح صححه جمع من أهل العلم والحديث. قال الإمام أحمد عن حديث معاذ -كما في الكامل لابن عدي (٦/ ٣٤٤) ترجمة موسى بن خلف-: "هذا أصحها"، وانظر: الإصابة لابن حجر (٤/ ٢٧٣) ترجمة عبد الرحمن بن عائش. وقال ابن منده في الرد على الجهمية (٩١): "وروي هذا الحديث عن عشرة من أصحاب النبي -ﷺ-، ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب". وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٢٦٢) بعد سياقه لروايات هذا الحديث: "فهذه الروايات يصدق بعضها بعضًا، إذ قد رواه عن كل شخص أكثر من واحد، ولكن بمجموع هذه الطرق انكشف ما وقع في بعضها من غلط في بعض طرقه". وقال الذهبي في السير (٢/ ١٦٧): "فأما رؤية المنام فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة". وذهب عدد من أهل العلم إلى تضعيف هذا الحديث كابن خزيمة والدارقطني والمروزي عليهم رحمة الله. قال ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٤٦) بعد ذكره طرق هذا الحديث: "فليس يثبت من هذه الأخبار شيء من عند ذكرنا عبد الرحمن بن عائش إلى هذا الموضع، فبطل الذي ذكرنا لهذه الأسانيد، ولعل بعض من لم يتحر العلم يحسب أن خبر يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام ثابت، لأنه قيل في الخبر عن زيد إنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي، ويحيى بن أبي كثير ﵀ أحد المدلسين لم يخبر أنه سمع هذا من زيد". وقال الدارقطني في العلل (٦/ ٥٧) بعد ذكره لأوجه الخلاف في هذا الحديث: "ليس فيها صحيح وكلها مضطربة". =
[ ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال المروزي في قيام الليل (المختصر ٥٦): "هذا حديث قد اضطربت الرواة في إسناده -على ما بيَّنا- وليس يثبت إسناده عند أهل المعرفة بالحديث". قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد نقله لتضعيف ابن خزيمة المتقدم، وكذا قول الإمام أحمد عن هذا الحديث -كما في رواية الأثرم-: "يضطرب في إسناده وأصل الحديث واحد، وقد اضطربوا فيه"، قال ابن تيمية: "هذا كلام صحيح، فإنهم اضطربوا في إسناده بلا ريب، لكن لم يقل: إن هذا يوجب ضعف متنه، ولا قال: إن متنه غير ثابت، بل إن مثل هذا الاضطراب يوجد في أحاديث كثيرة وهي ثابتة، وهذه الطرق مع ما فيها من الاضطراب -لمن يتدبر الحديث ويحسن معرفته- تدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ صحيح الأصل، لا ريب في ذلك، بل قد يوجب له القطع بذلك وأما ما ذكره ابن خزيمة من كون يحيى مدلسًا لم يذكر السماع، فهذا لا يضر هنا، لأن غاية ما فيه أن يكون أخذه من كتاب زيد بن سلّام، كما حكي عنه أنه كان يحدث من كتاب أبي سلّام، إما لمعرفته بخطه، وإما لأن الذي أعطاه قال له: هذا خطه، وهذا مما يزيد الحديث قوة، حيث كان مكتوبًا والذي ذكر ابن خزيمة من أنه لم يثبت طريقًا معيَّنًا من هذه الطرق، هذا فيه نزاع بين أهل الحديث، لكن إذا ضمت بعضها إلى بعض صدَّق بعضها بعضًا، وهذا مما لا يتنازعون فيه. لكن ابن خزيمة جرى على عادته أنه لا يحتج إلا بإسناد يكون وحده ثابتًا فما قاله لا ينافي ما اتفق عليه أهل العلم، فثبت صحة الاحتجاج به من طريقين: أحدهما: من جمع الطرق، لكن ابن خزيمة لم يسلك هذا. والثاني: من جهة ثبوت الاحتجاج بالكتاب، لكن ابن خزيمة لم يذهب إلى هذا". [بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٣٧١ - ٣٧٥) باختصار وتصرف يسير، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ١٤٠)]. قلت: إعلال ابن خزيمة ﵀ لهذا الطريق -طريق معاذ المتقدم- بتدليس يحيى بن أبي كثير، مدفوع بكون يحيى قد صرح بالتحديث عن زيد في إسناد الإمام أحمد ﵀، انظر: المسند (٣٦/ ٤٢٢)، والله أعلم. [وانظر: للوقوف على طرق هذا الحديث: التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٣٣ - ٥٤٥)، والرؤية للدارقطني (٣٠٨ - ٣٤٢)، ولابن رجب ﵀ رسالة في شرح هذا الحديث بعنوان: (اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى)]. =
[ ١٤١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقوله: (فإذا أنا بربي في أحسن صورة) صريح في أن الذي كان في أحسن صورة هو ربه" (^١).