لا ريب أن القول الأول -وهو قول الجمهور (^١) - هو المتعين، فالحديث لا يفيد حصر أسماء الله تعالى في التسعة والتسعين، غاية ما فيه أن من أحصى هذا العدد فهو موعود بدخول الجنة، وليس فيه أنها لا تزيد على هذا العدد، فهو كقول القائل: عندي مائة مملوك أعددتهم للعتق، فإن هذا لا ينفي وجود مماليك سواهم غير معدين للعتق.
فالتقييد في الحديث بالعدد المذكور هو فى الموصوف بهذه الصفة، لا في أصل استحقاقه لذلك العدد، فإنه لم يقل: إن أسماء الله تسعة وتسعون (^٢).
وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فأمر أن يدعى بأسمائه الحسنى مطلقًا، ولم يقل: ليست أسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين اسمًا (^٣).
وجاءت الأدلة الصحيحة بما يفيد زيادتها على هذا العدد، كما في أدلة القول الأول (^٤).
وأما القول الثاني، وهو القول: بأن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد الوارد في الحديث، وأنها لا تزيد عليه البتة، فقول ضعيف شاذ، لم
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، ودرء التعارض (٣/ ٣٣٢)، وشفاء العليل (٢/ ٢٧٨).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨١).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٦).
(٤) انظر: ص (١٩٤ - ١٩٦) من هذا البحث.
[ ١٩٨ ]
أجد من قال به -بعد البحث- غير ابن حزم (^١) رحمه الله تعالى، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أنه قول ابن حزم وطائفة، لكنه لم يسم أحدًا (^٢).
وأما استدلاله بالتأكيد في قوله -ﷺ-: (مائة إلا واحدًا) على تعيُّن الحصر بهذا العدد، وعدم جواز الزيادة عليه، فباطل من وجوه:
الوجه الأول: أن الحصر المذكور، إنما هو باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد عليها (^٣).
الوجه الثاني: أن قوله -ﷺ-: (مائة إلا واحدًا) مجرد تأكيد لقوله: (تسعة وتسعين) حتى يتقرر ذلك في نفس السامع، جمعًا بين جهتي الإجمال
_________________
(١) هناك من أطلق عددًا محددًا، ورقمًا معينًا لأسماء الله تعالى غير التسعة والتسعين، ومن ذلك:
(٢) أنها أربعة آلاف اسم: ألف لا يعلمه إلا الله، وألف لا يعلمه إلا الله والملائكة، وألف لا يعلمه إلا الله والملائكة والأنبياء، وأما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونه، فثلاثمائة منه في التوراة، وثلاثمائة في الإنجيل، وثلاثمائة في الزبور، ومائة في القرآن، تسعة وتسعون منها ظاهرة، وواحد مكتوم، من أحصاها دخل الجنة، [انظر: لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات للرازي (١٠٢)، وفتح الباري (١١/ ٢٢٠)].
(٣) وقيل: إنها ألف اسم، وهذا منسوب لأبي الخطاب ابن دحية الكلبي، [انظر: زاد المعاد (١/ ٨٨)، وفتح الباري (١١/ ٢٢٠)].
(٤) وقيل: إنها مائة اسم، بعدد درجات الجنة، وبه جزم السهيلي، [انظر: الفتح (١١/ ٢٢١)]. وكل هذه أقوال ضعيفة باطلة، إذ ليس لها زمام ولا خطام، ولا مستند صحيح يعوَّل عليه، وإنما هي ضرب من التكلف المذموم، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٢٠): "وهذه دعوى تحتاج إلى دليل"، [وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن خليفة التميمي (٦٧ - ٦٨)].
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨٢)، و(٢٢/ ٤٨٢).
(٦) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٢١).
[ ١٩٩ ]
والتفصيل، أو دفعًا للتصحيف الخطي والسمعي، فقد تشتبه مثلًا: بسبعة وسبعين.
ثم إن قوله -ﷺ-: (مائة إلا واحدًا) لم يفد شيئًا زائدًا على قوله: (تسعة وتسعين) -سوى التأكيد- حتى يُفهم منه نفي الزيادة وإبطالها، كما زعم ابن حزم رحمه الله تعالى (^١).
الوجه الثالث: أن الأسماء الموجودة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، وقد تتبعها بعض العلماء فأوصلها إلى ستة وأربعين ومائة، كابن العربي (^٢).
وبعضهم أوصلها إلى خمسة وخمسين ومائة، كابن الوزير (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإن قيل: لا تدعوا إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين" (^٤).
وقال ابن الوزير: "وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص، أما الضرورة فإن في كتاب الله أكثر من ذلك وأما النص فحديث ابن مسعود -﵁-" (^٥)، وقد تقدم في المطلب الثاني.
إذا تبين هذا وهو أن أسماء الله تعالى غير محصورة بالعدد المذكور، بل تزيد عليه، فما معنى الاحصاء الوارد في الحديث؟ وهل يمكن معرفة هذه الأسماء التسعة والتسعين على وجه التعيين؟ .
والجواب عن هذا يمكن تقسيمه إلى مسألتين كما يلي:
_________________
(١) انظر: المفهم للقرطبي (٧/ ١٦)، وطرح التثريب للعراقي (٧/ ١٤٩)، وفتح الباري (١١/ ٢١٩).
(٢) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٢٧٧).
(٣) انظر: إيثار الحق على الخلق (١٥٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢).
(٥) إيثار الحق على الخلق (١٥٨).
[ ٢٠٠ ]