اختلف أهل العلم -رحمهم الله تعالى- في هذا الحديث وما في معناه، وعلى أي شيء يعود الضمير في قوله -ﷺ-: (خلق الله آدم على صورته)، وجملة الخلاف يعود إلى أربعة أقوال هي كالتالي:
القول الأول: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب.
قال الحافظ ابن حجر: "واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها" (^١).
ولعل مراد الحافظ رحمه الله تعالى بقوله "فالأكثر " أي: أكثر أهل التأويل كابن حبان والبيهقي (^٢) والقاضي عياض (^٣)
_________________
(١) الفتح (٥/ ١٨٣)، وانظر: وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣).
(٢) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٦٣). والبيهقي هو: الإمام الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الشافعي صاحب التصانيف، لزم الحاكم مدة فأخذ عنه وعن غيره، كتب الحديث وحفظه في صباه، وتفقه وبرع، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، توفي ﵀ سنة (٤٥٨ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: شعب الإيمان وكتاب الأسماء والصفات وكتاب البعث والنشور. [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٩٦)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٢)، والعبر (٢/ ٣٠٨)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٤)].
(٣) انظر: إكمال المعلم (٨/ ٩٠ - ٩١)، والقاضي عياض هو: عياض بن موسى بن =
[ ١١٥ ]
والقرطبي (^١) وغيرهم.
قال ابن حبان ﵀ تعليقًا على حديث: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته): "يريد صورة المضروب؛ لأن الضارب إذا ضرب وجه أخيه المسلم ضرب وجهًا خلق الله آدم على صورته" (^٢).
أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَا يُعْرَفُ هذا القَوْل عَن أحَدٍ مِنْهُمْ سِوى ابن خزيمة وابن منده (^٣) عليهما رحمة الله.
قال ابن خزيمة: "توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله: (على صورته) يريد صورة الرحمن عز ربنا وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله: (خلق آدم على صورته): الهاء في هذا الموضع كناية عن
_________________
(١) = عياض بن عمرو بن موسى اليحصبي الأندلسي، الإمام العلامة الحافظ كان من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، تولى القضاء فترة طويلة حمدت سيرته فيها، توفي سنة (٥٤٤ هـ) وله من المصنفات: إكمال المعلم بفوائد مسلم، ومشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث، وغيرهما. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٢٤)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٠٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)].
(٢) انظر: المفهم (٦/ ٥٩٧). والقرطبي هو: العلامة المحدث أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي المالكي، كان من كبار الأئمة، توفي ﵀ بالإسكندرية سنة (٦٥٦ هـ) له مؤلفات من أشهرها: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم. [انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٤٨)، والعبر (٣/ ٢٧٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٧٣)].
(٣) صحيح ابن حبان (١٢/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٤) انظر: التوحيد (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤). وابن منده هو: الحافظ الجوَّال محدث العصر أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، صاحب التصانيف طوَّاف الدنيا، سمع من ألف وسبعمائة شيخ، توفي ﵀ سنة (٣٩٥ هـ) له مؤلفات عديدة منها: كتاب التوحيد، والرد على الجهمية وغيرها. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣١)، والعبر (٢/ ١٨٧)، وشذرات الذهب (٣/ ١٤٦)].
[ ١١٦ ]
اسم المضروب والمشتوم، أراد -ﷺ-: أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أُمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح وجهه، فزجر -ﷺ- أن يقول: (ووجه من أشبه وجهك) (^١)؛ لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبحًا وجه آدم صلوات الله عليه وسلامه الذي وجوه بنيه شبيهة بوجه أبيهم، فتفهموا -رحمكم الله- معنى الخبر: ولا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول: بالتشبيه الذي هو ضلال" (^٢).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - التعليل في قوله -ﷺ-: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) رواه مسلم (^٣). فقوله: (فإن الله خلق آدم على صورته) بيان لسبب النهي عن ضرب الوجه، وهو أن آدم ﵇ خُلِقَ على صورة المضروب، ولذلك عنون ابن حبان على هذا الحديث بقوله: "ذكر العلة التي من أجلها زُجر عن هذا الفعل" (^٤).
وقال البيهقي: "وإنما أراد -والله أعلم- فإن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب" (^٥).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها" (^٦).
٢ - حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (إذا ضرب أحدكم
_________________
(١) سيأتي تخريجه قريبا.
(٢) التوحيد (١/ ٨٤).
(٣) تقدم تخريجه ص (١١٤).
(٤) صحيح ابن حبان (١٢/ ٤١٩).
(٥) الأسماء والصفات (٢/ ٦٣).
(٦) الفتح (٥/ ١٨٣)، وانظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣).
[ ١١٧ ]
فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته) (^١).
قال الحافظ ﵀ تعليقًا على هذا الحديث: "وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك" (^٢).
وتقدم استدلال ابن خزيمة ﵀ بهذا الحديث.
٣ - أن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه.
قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى عن هذه الأحاديث: "تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عَالَمًا من أهل الجهل والغباوة صلهم الجهل -بمعنى: الخبر- على القول: بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل وجهه، الذي وصفه الله بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه" (^٣).
وتقدم قوله ﵀: "فتفهموا -رحمكم الله- معنى الخبر، ولا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول: بالتشبيه الذي هو ضلال" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده في موضعين (١٢/ ٣٨٢) ح (٧٤٢٠)، و(١٥/ ٣٧١) ح (٩٦٠٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٣٠) ح (٥٢٠)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٢) ح (٣٧)، والدارقطني في الصفات (٥٦) ح (٤٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٧٠) ح (٧١٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٦٣) ح (٦٣٩)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند (١٣/ ١٥٢)، وقال الألباني في ظلال الجنة (١/ ٢٣٠): "إسناده حسن صحيح". وأخرجه -بدون قوله: (إذا ضرب أحدكم الوجه) -: الحميدي في مسنده (٢/ ٤٧٦) ح (١١٢٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١) ح (١٧٣)، وابن مندة في التوحيد (١/ ٢٢٣) ح (٨٤)، وقال: "هذا إسناد مشهور متصل صحيح، وابن عجلان أخرج عنه مسلم والنسائي والجماعة إلا البخاري".
(٢) الفتح (٥/ ١٨٣).
(٣) التوحيد (١/ ٨١).
(٤) التوحيد (١/ ٨٥).
[ ١١٨ ]
وأما حديث: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا )، متفق عليه (^١).
فقد جعلوا الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇ (^٢)، كما قال به أبو ثور (^٣) وابن خزيمة والخطابي (^٤) وأبو الشيخ الأصبهاني (^٥) وابن مندة (^٦) والبيهقي، -فقد نقل قول الخطابي وأقره عليه (^٧) - والقاضي عياض (^٨) والقرطبي (^٩)، واحتمله ابن حجر (^١٠) وعزاه ابن قتيبة إلى أهل
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١١٤).
(٢) انظر: المعلم للمازري (٣/ ١٧١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣)، وفتح الباري (١١/ ٣).
(٣) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، صاحب الإمام الشافعي، وناقل الأقوال القديمة عنه، وكان أحد الفقهاء الأعلام، والثقات المأمونين في الدين، له مصنفات جمع فيها بين الحديث والفقه، وكان أول اشتغاله بمذهب أهل الرأي، حتى قدم الشافعي العراق فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث، توفي ﵀ سنة ست وأربعين ومائتين (٢٤٦ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٦٣)، ووفيات الأعيان (١/ ٥٣)، والسير (١٢/ ٧٢)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١٢)، والعبر (١/ ٣٣٩)، وشذرات الذهب (٢/ ٩٣)].
(٤) هو الإمام العلامة الحافظ اللغوي أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، صاحب التصانيف، كان يُشبه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علمًا وأدبًا وزهدًا وورعًا وتدريسًا وتأليفًا، توفي ﵀ سنة (٣٨٨ هـ) له تصانيف عديدة منها: معالم السنن، وغريب الحديث، وأعلام الحديث في شرح صحيح البخاري. [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ١٨٤)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠١٨)، والسير (١٧/ ٢٣)].
(٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٣٩٦).
(٦) انظر: كتاب التوحيد له (١/ ٢٢٣).
(٧) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٦١).
(٨) انظر: إكمال المعلم (٨/ ٣٧٤).
(٩) انظر: المفهم (٧/ ١٨٣).
(١٠) انظر: الفتح (٥/ ١٨٣).
[ ١١٩ ]
الكلام (^١)، وهو كما قال (^٢)، فان هذا القول لا يعرف لأحد من أهل السنة غير أبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ وابن منده عليهم رحمة الله.
قال أبو ثور ﵀: "إنما هو على صورة آدم ليس هو على صورة الرحمن" (^٣).
وقال ابن خزيمة ﵀: "فصورة آدم ستون ذراعًا التي أخبر النبي -ﷺ- أن آدم ﵇ خلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله: (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار (^٤)، قد نزه الله نفسه وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (^٥).
وقال الخطابي ﵀: "قوله: (خلق الله آدم على صورته)، الهاء: وقعت كناية بين اسمين ظاهرين، فلم يصلح أن تصرف إلى الله ﷿ لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فكان مرجعها إلى آدم، والمعنى: أن ذرية آدم إنما خلقوا أطوارًا، كانوا في مبدأ الخلقة نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم صاروا صورًا أجنة إلى أن تتم مدة
_________________
(١) انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٤).
(٢) انظر مثلًا: أساس التقديس في علم الكلام للرازي (٧١) فقد عقد فصلًا في تأويل حديث الصورة ذكر فيه أن عود الضمير له ثلاث احتمالات، الثاني منها قال: "أن يكون الضمير عائدًا إلى آدم ﵇، وهذا أولى الوجوه الثلاثة".
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٨٩ - ٩٠)، وانظر: (٢/ ٣٣٦).
(٤) الموتان: ضد الحيوان، وهو كل شيء غير ذي روح. انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٢٤٤) مادة: (موت)، والأبشار: جمع بشر. انظر: لسان العرب (٤/ ٦٠) مادة (بشر)، وقد ذكر المحقق (١/ ٩) هامش (٦) أن في بعض النسخ: "بالذرعان والأشبار" بدلًا من: "الموتان والأبشار"، ولعل هذا هو الصواب، حيث إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد نقل هذا الكلام من كتاب ابن خزيمة فذكره بهذا اللفظ. انظر: ص (١٤٧) من هذا البحث ففيه نقل كلامه.
(٥) التوحيد (١/ ٩٤).
[ ١٢٠ ]
الحمل، فيولدون أطفالًا، وينشؤون صغارًا إلى أن يكبروا فيتم طول أجسامهم، يقول: إن آدم لم يكن خلقه على هذه الصفة، لكنه أول ما تناولته الخلقة وجد خلقًا تامًا طوله ستون ذراعًا" (^١).
واستدل أصحاب هذا التأويل بما يلي:
١ - حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ).
قال القاضي عياض: "قوله هنا: (طوله ستون ذراعًا) يبين الإشكال ويزيح التشابه ويوضح أن الضمير راجع إلى آدم نفسه" (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لهذا الحديث: "وهذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالًا، ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته، بل خلقه الله رجلًا كاملًا سويًا من أول ما نفخ فيه الروح ثم عقب ذلك بقوله: (وطوله ستون ذراعًا) فعاد الضمير أيضًا على آدم" (^٣).
٢ - أن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه وهذا ظاهر في استدلال ابن خزيمة ﵀ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ كما تقدم.
وكذا قول الخطابي في الضمير: "فلم يصلح أن تصرف إلي الله ﷿؛ لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ " (^٤).
فالحامل لهم على هذا التأويل هو الفرار من التشبيه.
القول الثاني: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو ممن
_________________
(١) أعلام الحديث (٣/ ٢٢٢٧).
(٢) إكمال المعلم (٨/ ٣٧٤)، وانظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٩٣ - ٩٤).
(٣) الفتح (٦/ ٣٦٦).
(٤) تقدم قريبًا في ص (١٢٠).
[ ١٢١ ]
انتصر لهذا القول وأطال الكلام جدًا على هذا الحديث (^١) -قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (^٢).
وممن أشار إلى هذا القول -أيضًا- وأثبت صفة الصورة لله تعالى بهذا الحديث:
إسحاق بن راهويه والإمام أحمد، فعن إسحاق الكوسج (^٣) أنه قال: قلت لأحمد: (لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) (^٤)، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.
_________________
(١) في كتابه الذي يرد فيه على الرازي واسمه: (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) أو (نقض تأسيس الجهمية)، وقد طبع منه مجلدان كبيران بهذا العنوان، وأما بقية الكتاب فلا يزال مخطوطًا، وقد قام عدد من الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الكتاب كاملًا، لكنه لم يطبع بعد. وكلام ابن تيمية عن هذا الحديث في هذه البقية التي لم تطبع، وقد لخصه الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابه: (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن).
(٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق د. عبد الرحمن اليحيى (٢/ ٣٩٦).
(٣) هو أبو يعقوب إسحاق بن منصور بن بهرام المروزي، نزيل نيسابور، إمام فقيه حافظ حجة، طلب العلم ودوَّنه، وبرع واشتهر، وهو الذي دوَّن المسائل في الفقه عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، توفي ﵀ سنة إحدى وخمسين ومائتين (٢٥١ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٣٦٠)، وطبقات الحنابلة (١/ ٣٠٣)، والسير (١٢/ ٢٥٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٢٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٨٥)، وشذرات الذهب (٢/ ١٢٣)].
(٤) أخرجه بهذا اللفظ -عن ابن عمر- ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٩) ح (٥١٨)، والدارقطني في الصفات (٥٦) ح (٤٥)، وقال الألباني في ظلال الجنة: "حديث صحيح وإسناده ضعيف". وأخرجه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٥١) ح (٧٢٢) من طريق أبي هريرة -﵁-.
[ ١٢٢ ]
وقال ابن راهويه: "صحيح ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي" (^١).
وسئل الإمام أحمد فقيل له: يا أبا عبد الله: الحديث الذي رُوي عن النبي -ﷺ-: (أن الله خلق آدم على صورته) على صورة آدم؟ فقال: فأين الذي يروى عن النبي -ﷺ-: (أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ﷿)؟ وأي صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلق؟ (^٢).
وصرح الإمام أحمد ﵀ بأن القول: بإعادة الضمير على آدم أو على
_________________
(١) رواه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٢٧) ح (٦٩٧)، وابن بطة في الإبانة (المختار ٢٦٦) ح (١٩٧)، واللفظ له وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٩٧)، وانظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٨١)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، وفتح الباري (٥/ ١٨٣).
(٢) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨٨، ٩٠). تنبيه: روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال في معنى حديث: (إن الله خلق آدم على صورته): "صوَّر آدم قبل خلقه ثم خلقه على تلك الصورة، فأما أن يكون الله خلق آدم على صورته فلا، وقد قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ولا نقول: إن الله يشبهه شيء من خلقه، ولا يخفى على الناس أن الله خلق آدم على صورة آدم"، ولكن هذه الرواية باطلة لا تصح عن الإمام أحمد ﵀، إذ إن جميع الروايات عنه ﵀في هذا الباب- ترد هذه الرواية وتبطلها، كيف وقد جعل الإمام أحمد ﵀ هذا التأويل من تأويلات الجهمية كما سيأتي. وقد نقل هذه الرواية أبو يعلى الفراء في إبطال التأويلات (١/ ٨٩ - ٩٠) ثم قال: "قال أبو طالب المكي: هذا توهم عن أحمد، إنما هذا قول أبي ثور، فذُكر ذلك لأحمد فأنكر عليه وقال: ويله وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها؟ يقول: إن الله خلق على مثال! ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر: (أن الله خلق آدم على صورة الرحمن). فهذا هو المحفوظ من قول أحمد، وإنما التبس القولان فنسب ذلك إلى أحمد، لأن أبا ثور كان سئل عن قوله: (خلق آدم على صورته) فقال: الهاء عائدة على آدم". وذكر هذه الرواية الذهبي في الميزان (٢/ ٣٧٤)، ووصف الراوي لها بأنه قد أتى بشيء منكر.
[ ١٢٣ ]
الرجل المضروب: قول الجهمية (^١).
فقال ﵀: "من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة لآدم قبل أن يخلقه" (^٢).
وقال عبد الله (^٣) بن الإمام أحمد: "قال رجل لأبي: إن فلانًا يقول في حديث رسول الله -ﷺ-: (إن الله خلق آدم على صورته)، فقال: على صورة الرجل! قال أبي: كذب هذا، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟ " (^٤).
وممن قال بهذا القول -أيضًا- الآجري (^٥) ﵀، فقد عقد بابًا
_________________
(١) الجهمية: هم أتباع جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، حيث زعم أنه لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على سبيل المجاز، وزعم أيضًا أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وقال بنفي أسماء الله تعالى وصفاته، ظهرت بدعته بترمذ وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية. [انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ٣٣٨، ٢١٤)، والفرق بين الفرق للبغدادي (١٩٤)، وأصول الدين للبغدادي أيضًا (٣٣٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٦)].
(٢) رواه ابن بطة في الإبانة (المختار ٢٦٦) ح (١٩٨)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٧٥، ٨٨)، وطبقات الحنابلة (٢/ ٣٣٦)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٥).
(٣) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، الإمام الحافظ الناقد المحدِّث، روى عن أبيه شيئًا كثيرًا، من جملته: المسند كله، والزهد، وله كتاب السنة، وكان ثقة ثبتًا فهمًا، توفي ﵀ سنة تسعين ومائتين (٢٩٠ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٣٨٢)، والسير (١٣/ ٥١٦)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦٥)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٧٧)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٠٣)].
(٤) إبطال التأويلات (١/ ٨٨).
(٥) هو الإمام المحدث الفقيه الشافعي أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، كان عالمًا عابدًا صاحب سنة واتباع، انتقل إلى مكة وجاور بها، وبها توفي ﵀ سنة (٣٦٠ هـ)، وله عدة تصانيف أشهرها: كتاب الشريعة. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٣٩)، ووفيات الأعيان (٤/ ١١٣)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٣٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٥)].
[ ١٢٤ ]
بعنوان: "الإيمان بأن الله ﷿ خلق آدم على صورته بلا كيف" (^١)، ثم ساق هذا الحديث بطرق متعددة، ثم قال: "هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يُقال فيها: كيف؟ ولِمَ؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر" (^٢).
وأيضًا قال بهذا القول ابن قتيبة (^٣)، وأبو يعلى الفراء (^٤)، وأبو إسماعيل الهروي (^٥)، فقد عقد بابًا بعنوان: "إثبات الصورة له ﷿" (^٦)، ثم ساق تحته حديث أبي هريرة: (خلق الله آدم على صورته).
وكذا قوام السنة إسماعيل التيمي الأصبهاني (^٧)، والشيخ عبد الله أبو بطين (^٨)، وعبد العزيز بن باز (^٩)، ومحمد العثيمين (^١٠)، عليهم رحمة الله.
_________________
(١) الشريعة (٣/ ١١٤٧).
(٢) الشريعة (٣/ ١١٥٣).
(٣) انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٦).
(٤) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨١).
(٥) هو شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن الهروي الصوفي الحافظ أحد الأعلام، كان جذعًا في أعين المبتدعة، وسيفًا على الجهمية، وقد امتحن مرَّات وصنف عدة مصنفات، وكان شيخ خراسان في زمانه بلا مدافع، توفي ﵀ سنة (٤٨١ هـ) له عدة مؤلفات منها: ذم الكلام وأهله، والأربعين في دلائل التوحيد. [انظر: السير (١٨/ ٥٠٣)، والعبر (٢/ ٣٤٣)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٦٥)].
(٦) الأربعين في دلائل التوحيد (٦٣).
(٧) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٣١٠ - ٣١١).
(٨) انظر: الدرر السنية (٣/ ٢٦٠ - ٢٦٤)، وأبو بطين هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز العائذي، الملقب بأبي بطين، فقيه الديار النجدية في عصره، وأحد تلامذة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تولى القضاء في عدد من المناطق، وله عدة مؤلفات منها: الانتصار، وتأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، توفي ﵀ في شقراء سنة ألف ومائتين واثنتين وثمانين (١٢٨٢ هـ). [انظر: علماء نجد (٤/ ٢٢٥)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٥٢)، والأعلام (٤/ ٩٧)].
(٩) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة له، جمع وترتيب د/ محمد الشويعر (٦/ ٣٥٣).
(١٠) انظر: شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٨ - ١١٠).
[ ١٢٥ ]
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - ظاهر النصوص السابقة والتي فيها قوله -ﷺ-: (خلق الله آدم على صورته)، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، وذلك بإرجاع الضمير إلى الله تعالى.
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى عند هذا الحديث: "وإذا ثبتت صحته فغير ممتنع الأخذ بظاهره من غير تفسير ولا تأويل" (^١).
وسئل ﵀ عن هذا الحديث فقال: "لا نفسره كما جاء الحديث" (^٢).
قال القاضي أبو يعلى تعليقًا على هذا الكلام: "فقد صرح بالقول: بالأخذ بظاهره، والكلام فيه في فصلين:
أحدهما: جواز إطلاق تسمية الصورة عليه سبحانه
الفصل الثاني: في إطلاق القول: بأنه خلق آدم على صورته وأن الهاء راجعة على الرحمن" (^٣).
وسئل الإمام أحمد -أيضًا- عن هذا الحديث فقال: "نقول كما جاء الحديث" (^٤).
٢ - حديث ابن عمر -﵄- قال: قال النبي -ﷺ-: (لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن).
فقالوا: هذا نص صحيح صريح غير قابل للتأويل (^٥).
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٧٩).
(٢) إبطال التأويلات (١/ ٧٩ - ٨٠)، وانظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤).
(٣) إبطال التأويلات (١/ ٨٠ - ٨١).
(٤) رواه ابن بطة في الإبانة (المختار ٢٦٤) ح (١٩٦)، وانظر: المنتخب من العلل للخلال، لابن قدامة المقدسي (٢٦٥ - ٢٦٧)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٥).
(٥) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٤٠).
[ ١٢٦ ]
ولأهمية هذا الحديث في هذا الباب وكونه فيصلًا وقاطعًا للنزاع في هذه المسألة، فقد أثار نقاشًا واسعًا، خاصة بين بعض العلماء المعاصرين (^١).
وفيما يلي توضيح وبيان لهذا الحديث بشيء من التوسع فأقول:
جاء هذا الحديث من طريقين: أحدهما موصول والآخر مرسل:
أما الموصول فهو من رواية الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم ) (^٢).
_________________
(١) كتب الشيخ حماد بن محمد الأنصاري ﵀ مقالة -في مجلة الجامعة السلفية في ذي القعدة سنة (١٣٩٦) المجلد الثامن العدد الرابع- بعنوان: "تعريف أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن"، صحح فيه هذا الحديث ورد على ابن خزيمة في تعليله له، ونقل هذه المقالة: الدكتور علي بن ناصر الفقيهي في هامش كتاب الصفات للدارقطني بتحقيقه (٥٨ - ٦٢). فكتب الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ردًا على هذه المقالة، وذلك في ذيل تضعيفه لهذا الحديث ونصرته لتعليل ابن خزيمة ﵀، في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٣١٩). فكتب الشيخ حمود التويجري ﵀ رسالة بعنوان: "عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن"، رد فيها على تضعيف ابن خزيمة والألباني لهذا الحديث. ثم كتب الشيخ عبد الله الدويش ﵀ رسالة بعنوان: "دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق الله آدم على صورة الرحمن" رد فيها على ابن خزيمة ﵀ وكذا على الألباني في رده على الشيخ حماد الأنصاري. رحم الله الجميع، وأسكنهم فسيح جناته، فكلهم ناشد للحق، حريص على السنة، ذاب عن حياض العقيدة، نحسبهم كذلك والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدًا.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٨) ح (٥١٧)، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (١/ ٢٦٨) ح (٤٩٨)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٥) ح (٤١)، والآجري في الشريعة (٣/ ١١٥٢) ح (٧٢٥)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٢٩) ح (١٣٥٨٠)، وابن بطة في الإبانة (المختار ٢٤٤) ح (١٨٥)، وكذا في (٢٦٠) =
[ ١٢٧ ]
وأما المرسل فهو من رواية سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء: قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن) (^١).
وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث بين مصحح ومضعف:
فممن صححه: إسحاق بن راهويه (^٢) وأحمد (^٣)، والحاكم (^٤)، وابن تيمية (^٥)، والذهبي (^٦)، وابن حجر (^٧).
_________________
(١) = ح (١٩٠)، و(٢٦٢) ح (١٩٣)، والدارقطني في الصفات (٦٤) ح (٤٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٦٤) ح (٦٤٠)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٤٩) ح (٣٢٤٣)، وأبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٩٦) ح (٨١).
(٢) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٦) ح (٤٢)، وصحح إسناده الألباني في ظلال الجنة (١/ ٢٢٩).
(٣) حيث قال ﵀: "قد صح عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: (إن آدم خلق على صورة الرحمن) " إبطال التأويلات (١/ ٨١)، وانظر: المنتخب من العلل للخلال، لابن قدامة (٢٦٥)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٧)، والميزان للذهبي (٤/ ٩٦)، وفتح الباري (٥/ ١٨٣).
(٤) قال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "هذا الحديث صحيح" ميزان الاعتدال (٤/ ٩٦)، وانظر: الفتح (٥/ ١٨٣)، وإبطال التأويلات (١/ ٩٢).
(٥) حيث قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" المستدرك (٢/ ٣٤٩)، ووافقه الذهبي.
(٦) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٦٣)، وعقيدة أهل الإيمان (٢٦)، ودفاع أهل السنة للدويش (٥٠).
(٧) حيث قال عن هذا الحديث "وصح أيضًا من حديث ابن عمر" السير (٥/ ٥٤٠).
(٨) حيث قال عن هذه الزيادة (على صورة الرحمن): "الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في السنة والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات" الفتح (٥/ ١٨٣)، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي (٨/ ١٠٦). وصحح الحديث -أيضًا- الشيخ حماد الأنصاري في مقالته: "تعريف أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن"، وهي مطبوعة في هامش كتاب الصفات للدارقطني (٥٨) بتحقيق الفقيهي. =
[ ١٢٨ ]
وأما الذين ضعفوه فعلى رأسهم ابن خزيمة، والمازري (^١)، والألباني، عليهم رحمة الله.
أما ابن خزيمة فقد وجه إلى هذا الحديث ثلاث علل، وزاد عليها الألباني علة رابعة وهي كالتالي:
العلة الأولى: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسل الثوري ولم يقل: عن ابن عمر.
والعلة الثانية: أن الأعمش مدلس ولم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والعلة الثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت مدلس أيضًا ولم يعلم أنه سمعه من عطاء.
وأما العلة الرابعة التي ذكرها الألباني فهي: أن جرير بن عبد الحميد -راوي هذا الحديث عن الأعمش- قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ (^٢).
وقد أجاب أهل العلم عن هذا التعليل بجوابين: أحدهما مجمل، والآخر مفصل:
أما المجمل فهو: أن تضعيف ابن خزيمة ﵀ مقابل بتصحيح غيره كإسحاق وأحمد عليهما رحمة الله، وهما أعلم بالأسانيد والعلل منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث: "قد صححه إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس" (^٣).
_________________
(١) = وكذا الشيخ عبد الله الدويش في رسالته: "دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن" ص (٨).
(٢) انظر: المعلم (٣/ ١٦٩)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣)، وفتح الباري (٥/ ١٨٣).
(٣) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٣١٧).
(٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
[ ١٢٩ ]
وأما الجواب المفصل: فهو بتتبع هذه العلل، الواحدة تلو الأخرى والجواب عنها:
أما العلة الأولى وهي: كون الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، حيث أرسله ولم يصله كما فعل الأعمش.
فالجواب عنها: أن مخالفة الثوري للأعمش لا تضر ولا تؤثر لأن الأعمش ثقة حافظ، وكان يسمى المصحف من صدقه، قال فيه يحيى القطان (^١): هو علامة الإسلام، وقال ابن عيينة (^٢): سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى، وقال شعبة (^٣): ما شفاني أحد من الحديث ما شفاني الأعمش، وقال ابن عمار (^٤): ليس في المحدثين أحد
_________________
(١) هو يحيى بن سعيد بن فرُّوخ التميمي مولاهم أبو سعيد القطان البصري، إمام متقن حافظ، عُني بالحديث ورحل فيه، وساد الأقران، وانتهى إليه الحفظ، وتكلَّم في العلل والرجال، وتخرج به الحفاظ، توفي ﵀ سنة ثمان وتسعين ومائة (١٩٨ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٤٠)، والسير (٩/ ١٧٥)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٨)، وتقريب التهذيب (٢/ ٣٠٣)، وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥)] ..
(٢) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، وقد اتفقت الأئمة على الاحتجاج به لحفظه وأمانته، أدرك نيفًا وثمانين نفسًا من التابعين، انتهى إليه علو الإسناد، ورُحل إليه من البلاد، توفي ﵀ سنة (١٩٨ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ١٧٣)، ووفيات الأعيان (٢/ ٣٢٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٦٢)، والسير (٨/ ٤٥٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٧١)].
(٣) هو الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام الأزدي العتكي مولاهم الواسطي، عالم أهل البصرة وشيخها، وأمير المؤمنين في الحديث، كان من أوعية العلم، لا يتقدمه أحد في الحديث في زمانه، وهو أوَّل من فتَّش بالعراق عن الرجال، وذبَّ عن السنة، وكان عابدًا زاهدًا، توفي ﵀ سنة (١٦٠ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٢٥٥)، ووفيات العيان (٢/ ٣٨٨)، والسير (٧/ ٢١٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٩٣)، وتقريب التهذيب (١/ ٤١٨)].
(٤) هو أبو الفضل محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمَّار الجارودي =
[ ١٣٠ ]
أثبت من الأعمش (^١).
فمخالفة الثوري للأعمش لا تُعِلُّ حديثه؛ لأن معه زيادة علم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ (^٢).
ثم إنه ليس بين الطريقين -الموصول والمرسل- اختلاف؛ لأن المرسل قد بينه الموصول فهو مفسر له، فالطريق التي فيها رواية عطاء عن النبي -ﷺ- مباشرة -دون ذكر ابن عمر- قد بينتها الطريق الأخرى والتي فيها رواية عطاء عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من المعلوم أن عطاء بن أبي رباح إذا أرسل هذا الحديث عن النبي -ﷺ-، فلا بد أن يكون قد سمعه من أحد، وإذا كان في إحدى الطريقين قد بين أنه أخذه عن ابن عمر كان هذا بيانًا وتفسيرًا لما تركه وحذفه من الطريق الأخرى، ولم يكن هذا اختلافًا أصلًا" (^٣).
وأما العلة الثانية وهي: تدليس الأعمش فإنها لا تؤثر في صحة الإسناد؛ لأن الأعمش معدود في الطبقة الثانية من المدلسين، وهم الذين احتمل الأئمة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحيح، لإمامتهم وقلة تدليسهم في جنب ما رووا كالثوري أو لأنهم لا يدلسون إلا عن ثقات كابن عيينة، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه: "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" (^٤).
ثم إن الثوري قد تابع الأعمش في رواية هذا الحديث عن حبيب بن
_________________
(١) = الهروي، إمام حافظ ناقد مجوِّد، من أقران الطبراني وابن عدي، ويُعرف بابن عمار الشهيد، لأنه قتل في الحرم على يد القرامطة سنة (٣١٧ هـ). [انظر: السير (١٤/ ٥٣٨)، والعبر (١/ ٤٧٥)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٧٥)].
(٢) انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤ - ١٢)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٢٤٦، ٢٣٢).
(٣) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٢)، ودفاع أهل السنة والإيمان (٩).
(٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٩).
(٥) انظر: ص (٢٣، ٦٧).
[ ١٣١ ]
أبي ثابت كما هو عند ابن خزيمة في كتاب التوحيد -وقد تقدم- إلا أنه مرسل (^١) وقد صحح الألباني إسناده (^٢).
وأما العلة الثالثة: وهي تدليس حبيب بن أبي ثابت، فإنه وإن كان معروفًا بالتدليس (^٣)، إلا أن الذي يترجح في روايته هذه أنه لم يدلس فيها وأنه قد سمعه من عطاء وإن لم يصرح بذلك، ويدل على ذلك أنه كان يروى عن ابن عمر -﵄- مباشرة، فلو كان قد دلس في هذا الحديث لكان جديرًا أن يرويه عن ابن عمر -﵄- بدون واسطة ليحصل له بذلك علو الإسناد، ولكن لما رواه عن عطاء عن ابن عمر -﵄- دلَّ ذلك على أنه لم يدلس في روايته (^٤)، وقد قال فيه يحيي بن معين (^٥): ثقة حجة.
وقال الذهبي: وهو ثقة بلا تردد (^٦).
ثم إن حديث أبي هريرة -الآتي قريبًا- يعضده ويقويه ويشهد له.
وأما العلة الرابعة والتي ذكرها الألباني ﵀ وهي: أن جرير بن عبد الحميد قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ.
فالجواب عنها أن يقال: "إن هذا الحديث قد رواه عن جرير أئمة حفاظ مثل إسحاق بن راهوية وقد جزم بصحة الحديث، وأبي معمر
_________________
(١) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٢)، ودفاع أهل السنة (٩).
(٢) كما في ظلال الجنة (١/ ٢٢٩).
(٣) انظر: تقريب التهذيب (١/ ١٨٣).
(٤) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٣)، ودفاع أهل السنة (٩).
(٥) هو الإمام يحيى بن معين المري مولاهم البغدادي، أحد الأعلام وحجة الإسلام وسيد الحفاظ وإمام الجرح والتعديل، حديثه في الكتب الستة، كان بينه وبين الإمام أحمد مودة واشتراك في طلب الحديث ورجاله، وروى عنه الإمام أحمد له مناقب كثيرة وفضائل شهيرة، توفي ﵀ بالمدينة سنة (٣٢٣ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٨١)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٩)، وتقريب التهذيب (٢/ ٣١٦)، وشذرات الذهب (٢/ ٧٩)].
(٦) السير (٥/ ٢٩٠ - ٢٩١).
[ ١٣٢ ]
وإسماعيل بن موسى وهارون بن معروف ونحوهم، ولم يذكر أحد منهم أنه أخطأ فيه، بل رووه قابلين له وتلقاه عنهم العلماء بالقبول، فهذا برهان واضح أن جريرًا قد حفظه، هذا لو لم يروه غير جرير، فكيف وقد رواه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن حبيب عن عطاء إلا أنه أرسله؟ ! " (^١).
ويشهد لهذا الحديث: ما رواه أبو هريرة -﵁- والذي جاء من وجهين:
أحدهما: من طريق ابن لهيعة عن أبي يونس سليم بن جبير عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن) (^٢).
والثاني: من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه) (^٣).
_________________
(١) دفاع أهل السنة (١٠ - ١١).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٣٠) ح (٥٢١)، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (٢/ ٥٣٦) ح (١٢٤٣)، والدارقطني في الصفات (٦٥) ح (٤٩)، وفيه رواه ابن لهيعة عن الأعرج، وأخرجه -أيضًا- أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٩٦) ح (٨٢)، وقال الألباني في ظلال الجنة (٢٣٠): "إسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ".
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٧) ح (٥١٦)، وقال الألباني في ظلال الجنة: "إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غير شيخ المصنف وهو ثقة لكني في شك من ثبوت قوله: (على صورة وجهه) فإن المحفوظ في الطرق: (على صورته) " ا. هـ قلت: لا وجه لهذا الشك وقد حكم على إسناده بالصحة، وليس في هذه الرواية ما يخالف الرواية الأخرى: (على صورته). قال الشيخ عبد الله الدويش تعليقًا على هذا الكلام للألباني: "قلت: سعيد ثقة حافظ فلا يرد حديثه بمثل هذا التوهم، وهذه اللفظة لا تخالف ما ثبت من قوله (على صورته) لأن الضمير يعود على الله كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في =
[ ١٣٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀وهو يتكلم على حديث ابن عمر-: "وأيضًا فقد روي بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة، والحديث المروي من طريقين مختلفين لم يتواطأ رواتهما، يؤيد أحدهما الآخر ويستشهد به ويعتبر به، بل قد يفيد ذلك العلم، إذ الخوف من تعمد الكذب أو من سوء الحفظ، فإذا كان الرواة ممن يعلم أنهم لا يتعمدون الكذب، أو كان الحديث ممن لا يُتواطأ في العادة على اتفاق الكذب على لفظه، لم يبق إلا سوء الحفظ، فإذا كان قد حفظ كل منهما مثل ما حفظ الآخر، كان ذلك دليلًا على أنه محفوظ" (^١).
بل أشار شيخ الإسلام إلى أن عطاء لو لم يذكره إلا مرسلًا لكان فيه كفاية؛ لأنه من أجلِّ التابعين قدرًا، فإنه هو وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن البصري أئمة التابعين في زمانهم، وجزمه بهذا الخبر العلمي عن النبي -ﷺ- في مثل هذا الباب دليل على ثبوته عنده (^٢).
تنبيه:
أشار بعض أهل العلم كابن فورك (^٣)، والبيهقي (^٤)، والمازري (^٥)،
_________________
(١) = رده على الرازي وأبطل قول من جعل الضمير يعود على آدم أو غيره من المخلوقين من وجوه كثيرة، من تأملها لم يبق عنده شبهة وشك في أن الضمير يعود على الله" دفاع أهل السنة (١١ - ١٢)، وانظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٧ - ٢٨).
(٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢).
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٩).
(٤) انظر: مشكل الحديث (٤٣).
(٥) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٦٤).
(٦) المعلم (٣/ ١٦٩)، والمازري هو: الشيخ الإمام العلامة البحر المتفنن أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي، كان ذكيًا بصيرًا بعلم الحديث، له معرفة بالطب، ألف في الفقه والأصول والحديث وغيرها، توفي ﵀ سنة (٥٣٦ هـ)، وله تصانيف من أشهرها: المعلم بفوائد مسلم. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٩)، والسير (٢٠/ ١٠٤)، والعبر (٢/ ٤٥١)، وشذرات الذهب (٤/ ١١٤)].
[ ١٣٤ ]
والقرطبي (^١)، وغيرهم، إلى أنه يحتمل أن يكون بعض الرواة قد نقله بهذا اللفظ - (على صورة الرحمن) - بناءً على ما وقع في قلبه من معناه.
ولكن هذا الاحتمال باطل عارٍ من الدليل، فلا ترد بمثله الأحاديث، ومنشأ هذا الاحتمال هو استبعاد عود الضمير على الله تعالى، لأن هذا على مذهبهم يلزم منه تشبيه الله تعالى بخلقه، ولكن هذا اللازم غير مسلم كما سيأتي.